( ولكن بمن وإلى من أريد أن أداوي بكم وأنتم دائي كناقش الشوكة بالشوكة وهو يعلم أن ضلعها معها ) . استدرك عليه السلام على ما بيّن من الرأي الصائب الصحيح الذي كان يجب أن يفعله رافعا عن نفسه ما يمكن أن يظن أنه قد أخطأ فيه قائلا : لقد كان هذا رأيا صائبا لو كان لي من يطيعني فيه ويعمل بموجبه وأستعين به على فعله ولكن بمن كنت أستعين عليكم وإلى من أرجع في ذلك .
إما أن أرجع إليكم وأنتم على ما أنتم عليه من الشقاق والخلاف والنزاع وعدم الاتفاق في الرأي وأما الغائبون عني من شيعتي وأصحاب الولاء فإلى أن يصلوا إليّ يكون العدو قد بلغ مقصده مني إذن فلم يبق لي من يعاونني على رأي الصحيح الصائب إلا أنتم بأن أستعين ببعضكم على البعض الآخر وأقاتل بعضكم ببعضكم الآخر وفي هذا أكون كناقش الشوكة بالشوكة وهو يعلم أن ضلعها معها وهذا مثل مفاده : لا تستخرج الشوكة الناشبة في رجلك بشوكة مثلها فإن إحداهما في القوة والضعف كالأخرى فكما أن الأولى انكسرت في رجلك فالثانية إذا حاولت استخراج الأولى بها تنكسر وتحتاج إلى شوكة ثالثة وهكذا لا ينتفع بالشوك قط لاستخراج شبيهتها والمقصود أنه كيف يستعين ببعضهم على البعض الآخر وهو يحمل هواه وطباعه ورأيه . . . ( اللهم قد ملّت أطباء هذا الداء الدوي وكلّت النزعة بأشطان الركي ) . اشتكى إلى اللّه وأقرّ بالعجز فهو الطبيب الحاذق الذي يعرف الداء والدواء ولكنهم أصيبوا بداء شديد لا يمكن الشفاء منه إنه داء الجهل والتمرد والعصيان الذي أعياه وأسقط ما في يده . . . وقد كان الإمام هو طبيب القلوب لمن يستعمل وصفته ودواؤه ولكن أصحابه كانوا لا يقبلون منه رأيه بل يردون عليه أقبح رد ويخالفونه شر مخالفة حتى وصل به الأمر أن دعى عليهم وتمنى لو يصرفه معاوية بهم صرف الدرهم بالدينار فيأخذ عشرة ويعطيه واحدا من أهل الشام وتمنى فراقهم واستبداله خير منهم . . . وقال : لقد ملأتم قلبي قيحا . . . وقال : لقد سئمتهم وسئموني ومللتهم وملوني وقال : بالأمس كنت أميرا واليوم أصبحت مأمورا . . وقال : الرعية تخاف ظلم ولاتها وأصبحت أخاف ظلم رعيتي إلى غيرها من الكلمات التي تعبر عن مدى الأسى والغم وما يكابده من ألم وحسرة . . . وكذلك شبه نفسه بالعجز عن إنقاذهم وردهم إلى الصواب وإلى ما فيه مصلحتهم بمن ينزع من البئر بالحبل ماء ولا يقدر على الإرواء للعطاشى فإنه يكلّ ويمّل ولا يؤدي المطلوب أو يصل إلى هدفه وكذلك هو يحاول استخراجهم من هوة الضلال والانحراف ولكنهم لا يستجيبون له ولا يقبلون منه فيقر بالعجز ويصاب بالملل . . .
شرح نهج البلاغة — صفحة 329
مساهمون: السيد عباس علي الموسوي
ص٣٢٩