واقع حالهم أقوى من مقالهم . . . تقرأ في صورهم حكاية الأتقياء والأولياء والصالحين الأبرار .
انظر إلى عيونهم تراها من البكاء من خشية اللّه فسدت أو كادت . . . إنها الدمعة الصادقة في جوف الليل يجمعها البكاءون ليوم عظيم . . . دمعة الخوف من اللّه صاحبها في ظل اللّه وصاحبها لا تبكي عينه يوم تبكي العيون . . . وأما بطونهم فهي ضامرة من الصيام يقضون أيامهم في عبادة الصوم فلا ترى عليهم ضخامة الأجسام كما هي حال أبدان أهل الدنيا الذين يعيشون من أجل بطونهم وتهمهم أكثر من كرامتهم ودينهم وفي الحديث : « إن اللّه يبغض الحبر السمين » والصوم جنة من النار وفي الحديث : كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به فمن صام اليوم ذاق لذة صيامه في الدنيا وفي الآخرة . . . ووصف شفاههم بالذبول لكثرة دعائهم فهي ناشفة يابسة فمع الصوم ذكر اللّه الدائم المستمر لا يفترون عنه مدة يقظتهم .
وأما ألوانهم فهي صفراء قد تغيرت من السهر والتهجد والتعبد فهم في قيام وركوع وسجود يقضون ليلهم في العبادة على خلاف أهل زماننا الذين يقضون لياليهم في السهر على التلفزيون وفي البارات وعلى أدوات اللهو وفي حفلات الباطل وشتان بين الاثنين لقد فرّقت بينهما الأهداف فكانت الطرق مختلفة . . . ومن سيماهم أن « على وجوههم غبرة الخاشعين » فهناك سمات تبدو لكل ناظر . . . سمات الخاشعين في سكونهم وفي خوفهم من اللّه إنهم يشعرون بالرقابة الإلهية في كل لحظة من لحظات حياتهم وعلى أساسها يعيشون الدقة في أعمالهم والجودة في كل حركاتهم والالتزام بالتقوى في كل مجالات حياتهم وكم من شخص عندما نظرت إليه وعظك برؤيته وبحاله وأثر فيك كأبلغ خطيب وأفصح متكلم بل يخرس الخطباء والمتكلمون أمام هيبة بعض الأفراد وقدسيتهم . . . ثم بعد هذه الأوصاف نسبهم إلى الاخوة إنهم اخواني الذين تقدموا علينا والذين سبقونا إلى الشهادة فمن الحق لنا ولنا كل الحق أن نتطلع إليهم بشوق ونتلهف لرؤيتهم فإنهم أملنا ورمزنا الذين يعز نظيرهم ونفقد شبيههم وهذا جدير بنا أن نتأسف عليهم وعلى فراقهم ونعض الأيدي حسرة على فراقهم وعدم وجود أمثالهم معنا . . . ( إن الشيطان يسني لكم طرقه ويريد أن يحل دينكم عقدة عقدة ويعطيكم بالجماعة الفرقة وبالفرقة الفتنة ، فاصدفوا عن نزغاته ونفثاته واقبلوا النصيحة ممن أهداها إليهم
شرح نهج البلاغة — صفحة 331
مساهمون: السيد عباس علي الموسوي
ص٣٣١