( وجمعها ينفد ) . كل ما فيها إلى الفناء والهلاك قال تعالى : لا إلِهَ إِلّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلّا وجَهْهَُ .
( وملكها يسلب ) . فهذه الأرض تداولتها السلاطين ولم تستقر عليها يد إلا إلى مدة لتنتقل إلى يد أخرى أما بالغلبة أو بالموت وإذا شئت فاضرب بنظرك إلى ما تملك كم من يد وضعت عليها وكم من يد قبل يدك تقدمت عليها . . . ( وعامرها يخرب ) . فالبناء الشميد والقصر المرمري الجميل سيندك ويتهدم ولا يبقى منه إلا أطلال يمر عليها الناس ويتذكرون أربابها ومن عاش فيها .
( فما خير دار تنقض نقض البناء وعمر يفنى فيها فناء الزاد ومدة تنقطع انقطاع السير ) . تقليل لأهميتها واستصغار لها بصيغة الإنكار وأنه لا خير في دار الدنيا التي يتهدم منها حجر إثر حجر ويسقط من عمرانها واحد بعد آخر فهذه الحضارات تتساقط وهذه المدنيات تتساقط وهذه المدن والبلدان تزول عن خريطة الوجود .
وأما الأعمار فهي باستمرار يأكلها الليل والنهار ويأتي على أصحابها الزمان .
وأما مدة البقاء في الدنيا فإنها تنتهي كما تنتهي المسافة التي يقطعها المسافر ويتوقف عندها .
( اجعلوا ما افترض اللّه عليكم من طلبكم واسألوه من أداء حقه ما سألكم ) . اجعلوا من جملة ما تطلبونه من الله ما افترض عليكم من واجبات وحقوق لأن هذه الواجبات المفترضة إذا تحولت إلى أمور مطلوبة للعبد أضحت محبوبة له ومرغوبة فيجدّ فيها ويحافظ عليها ويحفظها وكذلك اسألوا اللّه أن يعينكم على ما أمركم به وطلبه منكم .
ونكتة المقابلة بين اسألوه ما سألكم على حد قوله تعالى : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها لأجل المقابلة بين اللفظين وفيه ما فيه من الحسن والبديع .
( واسمعوا دعوة الموت آذانكم قبل أن يدعى بكم ) . احسبوا لذلك القادم حسابه وأعدوا له عدته واعملوا له ولما بعده واقصدوا الأماكن التي تذكركم بالموت كمجالس الوعظ والمقابر والمصحات التي تجبر الإنسان على التفكير في الموت فإنها محطات يتزود الإنسان منها للآخرة ويتذكر الموت قبل حلوله بساحته وقبل أن يأتي دوره . . . ( إن الزاهدين في الدنيا تبكي قلوبهم وإن ضحكوا ويشتد حزنهم وإن فرحوا ويكثر مقتهم أنفسهم وإن اغتبطوا بما رزقوا ) . ذكر بعض أوصاف هذا الصنف من الناس الطيبين لعلهم يرغبون في الاقتداء بهم ويمشون على سيرتهم . . .
شرح نهج البلاغة — صفحة 283
مساهمون: السيد عباس علي الموسوي
ص٢٨٣