تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 286

مساهمون:

ص٢٨٦
علمت أن له حاجة تبادره إلى قضائها ولا تلجئه إلى أن يسألها ولكن تبادره مبادرة فإذا فعلت ذلك وصلت ولايتك بولايته وولايته بولايتك . . . ( ما بالكم تفرحون باليسير من الدنيا تدركونه ولا يحزنكم الكثير من الآخرة تحرمونه ) . حالة كثيرين منا يطير من الفرح إذا أدرك قليلا من الدنيا مجرد أن يدرك منصبا أو يجمع ثروة أو يعلو نجمه السياسي أو الاجتماعي تراه لا يكاد يصدق نفسه وفي مقابل ذلك لو خسر الكثير من الآخرة . . خسر المنزلة الرفيعة . . مرافقة الأخيار والأبرار والأنبياء . . أو خسر بعض الأعمال الطيبة من صلاة وصيام ومساعدة للفقراء تراه لا يهتم لشيء من ذلك ولا يتأثر لحرمانه منه . . . ( ويقلقكم اليسير من الدنيا يفوتكم حتى يتبين ذلك في وجوهكم وقلة صبركم عما زوي منها عنكم كأنها دار مقامكم وكأن متاعها باق عليكم ) . وهذه صورة تتحرك أمامنا وقد نكون بعض أفرادها . . صورة هذا الإنسان الذي يتملكه الإزعاج ويتبين في وجهه التأثر والشكوى . . صورة إنسان فاته شيء من حطام هذه الدنيا . . لم يدرك أمنيته . . لم يحقق غايته . . خسرت بعض صفقاته . . . لم يوفق في مسعاه . . . تراه لهذا اليسير يضج بالشكوى ويرتفع صوته بالتأثر وكأن ما فاته سيبقى له ويدوم ولم يعرف أنه حتى لو أدركه وحرص عليه لن يدوم ولن يبقى . . . ( وما يمنع أحدكم أن يستقبل أخاه بما يخاف من عيبه إلا مخافة أن يستقبله بمثله ) . وهذا عيب يمارسه الكثيرون لا يرضاه الإسلام لنا : وهو أننا لا نواجه أخانا بعيوبه . . بل نتركها فيه دون أن ننبهه إليها وندلّه عليها وما ذلك إلا خوفا منه أن يواجهنا بعيوبنا ويدلنا عليها ، وهذا خلاف ما يريد الإسلام فقد جاء « رحم اللّه من أهدى إليّ عيوبي » لأن العيوب أقذار وأمراض قد لا يراها صاحبها فعلى الأخ الذي رآها أن يدل أخاه عليها وهكذا كل أخ يشكل مرآة لأخيه يريه عيوبه من أجل أن يتطهر من آفاتها ويتنزه عنها وعن أوساخها وقد كان الصالحون يتعاهدون فيما بينهم أن يشير كل منهم على الآخر بما عنده من العيوب ويدل كل واحد منهم على عيوب الآخر فيتقبل الصالح رأي الآخر بكل رضى ويقدم له الشكر ويجزيه خيرا . . . ( قد تصافيتم على رفض الآجل وحب العاجل وصار دين أحدكم لعقة على لسانه صنيع من قد فرغ من عمله وأحرز رضى سيده ) . وهذا عيب آخر إنهم اتفقوا على رفض الآخرة وما فيها كما اتفقوا على حب الدنيا وما فيها كما قال تعالى : إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلًا وتحوّل الدين إلى كلمة يتداولونها على رؤوس
شرح نهج البلاغة — صفحة 286 | السيد عباس علي الموسوي