حبالها ورفضها ورفض ما يتعلق بها وقد بذل قصارى جهده في سبيل أن يدفع الناس عنها والتوجه بهم نحو الآخرة وهذه الخطبة الشريفة إحدى تلك العينات من كلامه فقد حذّر الناس منها وبيّن أنها دار لا يستقر فيها المقيم بل دائما على جناح سفر وهذه قائمة الأجداد والأحباب لم يبق منهم فيها أحد قد خرجوا منها وسنخرج نحن أيضا كما خرجوا فهي ليست دار إقامة واستقرار ولا دار كلأ ومرعى ومأكل ومشرب ولذة وسرور . . . ( قد تزينت بغرورها وغرت بزينتها ) . جعلت الغرور زينة لها ثم بهذه الزينة غرت الناس وخدعتهم عن أهدافهم الأساسية وبعبارة بعض الشراح حاكت شباك الصيد واصطادت كثيرين . . . ( دار هانت على ربها فخلط حلالها بحرامها وخيرها بشرها وحياتها بموتها وحلوها بمرها ) . دار الدنيا بالنسبة إلى الآخرة دار هانت على ربها ومن هوانها أنك تجد الحلال مخلوط بالحرام فإلى جانب الماء مدامة وإلى جانب الطيب خبيث وإلى جانب الخير شر فمقابل إكرام اليتيم هناك من يهينه وإلى جانب العناية بالفقير هناك من يقهره ، وإلى جانب الحياة موت والحلو مرّ فلا صفاء فيها كما هو الحال في الآخرة فهناك أمن وأمان وهنا تعب وأحزان وهناك نعيم دائم وهنا عذاب متواصل والفرق كبير والشقة واسعة . . . ( لم يصفها اللّه تعالى لأوليائه ولم يضن بها على أعدائه ) .
أولياء اللّه الذين أخلصوا له واعتمدوا عليه وتوجهوا نحوه وكانوا أحق الناس أن يعتنى بهم لم يجعلها صافية لهم وكيف صفت وتلك مسيرتهم شاهدة على أنهم من أشد الناس تعبا وجهادا فيها فقد كانت حركتهم مملوءة بالعذاب فهذا تاريخ الأنبياء كله مسيرة عذاب وإيذاء فإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد وجميع الأنبياء جاهدوا بأنفسهم وقدموا ما يملكون من أجل اللّه ودينه وقد اكتفوا منها بما يسد الرمق ويحفظ عليهم الحياة وقد قال النبي صلّى اللّه عليه وآله : « ما أوذي نبي كما أوذيت » فقد جاع وربط حجر المجاعة على بطنه . . . وفي المقابل كانت الدنيا قد أقبلت على الطغاة والمنحرفين ومن ادعى الربوبية واستعبد الناس واستذلهم والشاهد على ذلك فرعون وقارون ونمرود وغيرهم وهذا من هوانها على اللّه وأنه سبحانه لم يجعلها لأوليائه لزوالها وفنائها وعدم بقائها بينما جعلها للكافرين يتمتعون بها أياما قليلة يساقون بعدها إلى عذاب الجحيم . . . ( خيرها زهيد وشرها عتيد ) . خيرها قليل ودليل قلته قلة المؤمنين العاملين بهذا الخير بينما شرها حاضر في متناول الناس ولذا ترى الأشرار أكثر . . .
شرح نهج البلاغة — صفحة 282
مساهمون: السيد عباس علي الموسوي
ص٢٨٢