إنهم الزاهدون في الدنيا الراغبون في الآخرة وقد وصفهم بأن قلوبهم تبكي خوفا من اللّه وشوقا إليه وإن ضحكوا أمام الناس وفي وجوههم والعمدة على القلب ما ذا يحمل وما ينوي وأما معاملة الناس ومجاراتهم فأمر آخر .
وكذلك يشتد حزنهم على ما يفوتهم من الطاعات أو على بعض التقصير وإن فرحوا ظاهرا ببعض الأعمال الطيبة التي يمارسونها ويقومون بها . . . وكذلك يبغضون أنفسهم لأنها الأمارة بالسوء المضلة لهم عن مستقيم الطريق فلا يتركون لها الأمر ولا يسمحون لها أن توردهم النار وإن اغتبطهم الناس على ما أنعم اللّه به عليهم . . . ( قد غاب عن قلوبكم ذكر الآجال وحضرتكم كواذب الآمال فصارت الدنيا أملك بكم من الآخرة والعاجلة أذهب بكم من الآجلة ) . وهذا عيب حاضر عند الكثيرين حيث يغيب عن قلوبهم ذكر الموت فتسقط كل الاستعدادات له وكل ما يسهله عند نزوله ويخفف من وطأته عند حلوله .
بل على العكس من ذلك حضرت في القلوب الآمال الكاذبة المتمثلة بالشباب والصحة والمال وظنوا أن هذه ستدوم لهم وتبقى فسعوا من أجلها فقطعوا الأرحام واعتدوا على العباد وأفسدوا بمالهم ما قدروا عليه .
ومن هنا صارت الدنيا أولى بكم وصارت توجهكم كيف شاءت وصرتم لها تابعين خادمين على عكس الآخرة التي أضحت عندكم شيئا ثانويا لا تنظرون إليها إلا في مرحلة متأخرة وبقليل من الاهتمام . . . لقد أخذتكم الدنيا أكثر مما أخذتكم الآخرة أي استولت عليكم الدنيا أكثر من استيلاء الآخرة عليكم .
( وإنما أنتم إخوان على دين اللّه ما فرق بينكم إلا خبث السرائر وسوء الضمائر ) .
وهذا بيان لوحدة المسلمين وأنهم أخوة في دين اللّه قال تعالى : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ وبمقتضى هذه الوحدة أن تتوحد الجهود وتتلاقى الأفكار وتتحد الأهداف وتتكاتف الأيدي ويجتمع المسلمون على مصالحهم وما ينفعهم ولكن ما يحصل من التفرقة بينهم إنما هو نتيجة فساد القلوب والضمائر . . . فإن هذه الضمائر مريضة بمرض الحسد والبغي والاستعلاء مرض التعصب وحب « الأنا » التي سحقت في سبيل تحقيقها وذاتها كل نفيس وعزيز وقد ذكر الإمام نتيجة هذا
شرح نهج البلاغة — صفحة 284
مساهمون: السيد عباس علي الموسوي
ص٢٨٤