تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 244

مساهمون:

ص٢٤٤
لأن هذا المخلوق كان بمقدوره أن يفدي نفسه وهو في دار الدنيا بما يقدمه من عمل صالح ولكن بعد أن انقطع التكليف بالموت فلا انفكاك له من الأسر ولا خروج له من العذاب . 9 - ولا تفصم كبولها . والقيود التي وضعت في عنق هذا الإنسان ويديه ورجليه لا تحل ولا تفك بل هي باقية مستمرة . 10 - لا مدة للدار فتفنى ولا أجل للقوم فيقضى . وهذه مصيبة المصائب أنه ليس لهذه الدار وهي النار مدة فتفنى وتنتهي كما أنه ليس هناك وقت محدود يقضيه هذا الإنسان وينتهي منه بل بقاء دائم . ومنها في ذكر النبي صلى اللّه عليه وآله . ( قد حقر الدنيا وصغرها وأهون بها وهونها ) . يصف النبي في زهده وإعراضه عن الدنيا وزينتها وقد وصفه بأنه حقّر الدنيا أي نظر إليها نظرة الاحتقار - والتشديد للتكثير - ومن حقّر أمرا أعرض عنه ولم يعطه من نفسه التفاتة أو انتباها ، إنه يسقط من عينه ويغفل عنه بالكلية . . . كما أنه صغّرها ومن صغر أمرا لم يسأل عنه إذا فقده بل الكرام يترفعون عن صغار الأمور ومحقراتها ومن كان يعرف قيمة الجنة وكان نظره إليها احتقر ما عداها مهما كان جليلا وكبيرا . . . كما أنه صلوات اللّه عليه قد استهان بالدنيا عند نفسه وهوّنها على غيره وذلك بأنه لم يعطها من نفسه شيئا بل كان زاريا ومحتقرا لها فقد خرج منها دون أن يضع لبنة على لبنة وتحت يديه كل أموال الجزيرة . . وقد هوّنها على الناس حتى زهدهم فيها فتركوا التعلق بها بل طلقوها وباعوها بالآخرة . . . ( وعلم أن اللّه زواها عنه اختيارا وبسطها لغيره احتقارا ) . ما اختاره النبي كان موافقا لإرادة اللّه وقد اختار الإعراض عن الدنيا وزينتها فقبضها اللّه عنه حبا له وتقديرا لمنزلته وعلوا لمقامه بينما بسطها لغيره احتقارا له وتصغيرا لقدره لأنه صغير ينشد الصغار وما يكون فيه الصغار والدنيا لحقارتها وخستها وأنها دار لا تدوم بسطها لبعض الناس بينما أكرم نبيه بقبضها عنه . وفي هذا الكلام العلوي عبرة لأهل الدين أن لا يكبروا أصحاب الدنيا الذين جاءتهم