تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 215

مساهمون:

ص٢١٥
ضمير في نفسه ) . خلق اللّه الخلق بمجرد الإرادة وكلمة « كن » تعبير عن الإرادة التكوينية فلا يحتاج خلقه للخلق إلى أن يفكر ويدرس القضايا ويقف ليحلل كيفية الصنع ونتائجه وآثاره وفوائده بل بالتوجه كان ما يريد وعلل ذلك بأن الرويّة والتفكر في المقدمات واستخراج النتائج منها إنما يحسن بأصحاب الضمائر التي لها قلوب وحواس بدنية وجل سبحانه أن يكون كذلك وإلا لتحول إلى مركب ذي أجزاء يفتقر إليها ويبطل عندها أن يكون واجب الوجود . . . ( خرق علمه باطن غيب السترات وأحاط بغموض عقائد السريرات ) . نفذ علم اللّه في كل غائب ومستتر سواء كان في المستقبل أو فيما لا يرى وأحاط بما انعقد عليه السر من دقائق الأمور وصغيرها قال تعالى : أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً وقال : يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى . ( اختاره من شجرة الأنبياء ومشكاة الضياء ) . هذا وصف للنبي وبيان لما فيه وما هو عليه ، اختار اللّه محمدا من نفس الشجرة التي اختار منها الأنبياء ، فالشجرة واحدة تفرعت إلى فروع متعددة كان منها إبراهيم وإسماعيل وكان منها محمد ، وفي طهر الأصل وصفائه كان طهر الفرع وصفائه . ومشكاة الضياء هم آل إبراهيم فإن محمدا منهم وهؤلاء قد سطع نور الأنبياء منهم كما يسطع النور من المشكاة فكان محمد نورا من تلك الأنوار المنبعثة من تلك المشكاة . ( وذؤابة العلياء وسرة البطحاء ) . إنه من قريش أعلى الورى جبينا وأشرفها أسرة وأرفعها مقاما ومن أفضل بقاع الأرض حيث كان في وسط مكة وفي سهلها الذي يعد من أفخر أماكنها وأشرفها . . . ( ومصابيح الظلمة وينابيع الحكمة ) . فإن الأنبياء يكشفون برسالاتهم ظلمات الجهل والتخلف ولولاهم لعاشت البشرية حياة مظلمة استولى عليها الجهل وداسها الطغاة بأقدامهم فكانت أنوار النبوة تشع لتمحي الظلمات وتقضي على روح الجاهلية . والأنبياء هم ينابيع الحكمة تتفجر عنهم العلوم وتتدفق لتروي القلوب الظمأى إلى الحق المتعطشة إلى العدل . ( طبيب دوار بطبه قد أحكم مراهمه وأحمى مواسمه يضع ذلك حيث الحاجة إليه من قلوب عمي وآذان صم وألسنة بكم ) . أشار في هذا الفصل إلى نفسه وأطلق عليها لفظة الطبيب لأنه يعالج أمراض النفوس والقلوب كما يعالج الطبيب أمراض الأبدان . . .
شرح نهج البلاغة — صفحة 215 | السيد عباس علي الموسوي