ذكر نعم اللّه عليهم وبّخهم على تقصيرهم وتهاونهم في أمر الدين وبيّن لهم إنهم يرون عهود اللّه لا يوفى بها ومع ذلك لا يثورون ولا يتحركون بينما إذا أخذ آباؤهم عهدا على أحد ونقضه كانوا يثورون ويأنفون ويقومون لردّ الكرامة وإعادتها مع أن نقض عهود اللّه أحق أن يقام من أجلها وأولى من غيرها وهذا بيان لما أخذه اللّه من القيام في وجه معاوية الظالم الذي نقض العهود ومزق المواثيق وخرج على الإمام باغيا عليه مقاتلا له بدون حق . . . ( وكانت أمور اللّه عليكم ترد وعنكم تصدر وإليكم ترجع ) .
وهذه نعمة أخرى ضيعتموها وهي أمور اللّه من أحكامه وتشريعاته كانت تصدر من الرسول إليكم وكان الناس يأخذونها منكم وإليكم يرجعون عندما تتعقد عليهم بعض الأمور فتحلونها لهم .
وفي شرح المعتزلي : كانت الأحكام الشرعية إليكم ترد مني ومن تعليمي إياكم وتثقيفي لكم ثم تصدر عنكم إلى من تعلمونه إياها من اتباعكم وتلامذتكم ثم ترجع إليكم بأن يتعلمها بنوكم وأخوتكم من هؤلاء الاتباع والتلامذة .
( فمكنتم الظلمة من منزلتكم والقيتم إليهم أزمتكم وأسلمتم أمور اللّه في أيديهم ) .
بعد أن بيّن لهم كيف كانوا في المراتب العليا من العلم والمعرفة والسطوة ذمهم من حيث تخلوا عن أماكنهم لأعدائهم وأصبحت الأمور بيد هؤلاء الظلمة العادلين عن الحق الجائرين عن قصد السبيل قد سلموهم أمور اللّه حينما مكنوا لهم في البلاد وأفسحوا لهم في ظلم العباد ، لقد تهاونوا حتى أحتل معاوية رقعة واسعة من أرض الإسلام وأخذ وأصحابه يحتلون كرسي الزعامة والإمامة ويفتون باسم الإسلام وينسبون إليه كل ما يوافق هو أهم وترغب فيه شهواتهم ومن جملتها ما يذكره الإمام بقوله . . . ( يعملون بالشبهات ويسيرون في الشهوات ) . فهؤلاء الذين أسلمتم لهم الأمور ليسوا أصحاب دين لأنهم يعملون بالشبهات يستندون في تحليل الأمور وتحريمها إلى أدلة ليست صحيحة وإلى حجج سخيفة لم يوافق عليها اللّه ولم يأذن بها أو يجعلها حجة ودليلا وأما مسيرتهم وطريقة حياتهم فإن شهواتهم هي القائدة لهم والموجهة كيف تكون رغبة الإنسان وشهوته تكون مسيرته وحركة حياته دون نظر إلى دين أو شرع مبين . . . ( وأيم اللّه لو فرقوكم تحت كل كوكب لجمعكم اللّه لشر يوم لهم ) . أقسم عليه السلام باللهّ أن هؤلاء الظلمة - وهم الأمويون - لو فرقوا أهل العراق في كل مكان وشتتوهم في بقاع الأرض ونواحيها لجمع اللّه شملهم ووّحد لقاءهم ليوم عظيم وشرهّ على بني أمية جليل . .
شرح نهج البلاغة — صفحة 204
مساهمون: السيد عباس علي الموسوي
ص٢٠٤