تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
( يحسر الحسير ويقف الكسير فيقيم عليه حتى يلحقه غايته إلا هالكا لا خير فيه ) . يصف إشفاق النبي على الناس وكيف كانت مداراته لهم وقيامه عليهم وإحسانه إليهم وهذا الكلام من باب المجاز يقول عليه السلام كان النبي لحرصه عليهم ورأفته بهم يلاحظ من تزلزل اعتقاده أو عرضت له شبهة فكان لا يزال يوضح له ويرشده حتى يزيل ما به من العلل ويلحقه بالمؤمنين الصادقين ولم يكن يقصّر في حق أحد من الناس إلا من لا خير فيه قد ارتكب العناد وكفر برب العباد وأصر على ركوب رأسه معاندة وشقاقا . . . فقد شبه الناس معه بإبل في سفر قد أعيا بعضها وكلّ وقد وقف النبي عليها يعالجها ويصلح أمرها حتى يلحقها بالقافلة فلم يهملها ويضيّعها إلا ما كان منها هالكا لا يمكن علاجه ولا شفاؤه كأبي لهب وأضرابه . ( حتى أراهم منجاتهم وبوأهم محلتهم فاستدارت رحاهم واستقامت قناتهم ) . وهؤلاء الذين تابعوا النبي والتزموا أمره رأوا ما ينجيهم من حيث آمنوا واعتقدوا باللهّ ورسوله وقد وصلوا إلى مكانهم الذي أعد لهم من كونهم قادة الأمم ورواد الحضارة وبأيديهم زمام الأمور ، فاجتمعوا موحدين قد نجحوا فيما سعوا إليه وكانوا القوة التي تغيّر المعادلات وتحطّم الموازين . وبعبارة موجزة أراهم النبي الإسلام الذي فيه نجاتهم وأجلسهم في مكانهم اللائق بهم رواد العالم وقادته فقويت شوكتهم وانتصروا في أمورهم . . . ( وأيم اللّه لقد كنت من ساقتها حتى تولت بحذافيرها واستوسقت في قيادها ما ضعفت ولا جبنت ولا خنت ولا وهنت ) . أقسم عليه السلام أنه كان ممن ساق الجاهلية إلى حتفها وحتى تولت وغابت عن الوجود بأجمعها عقيدة وعادة وقد اجتمعت في ذل الانقياد التي لا تخرج منها قد كبّلت وجمعت فلا فكاك لها من هذا الوثاق . . . ثم أشار إلى عزيمته وقوته فقال : إنه ما ضعف عن قتالها ولا جبن في موقف من مواقفها ولا خان المسلمين في موقعة ولا توانى عن قتال لحظة . ومن قلّب نظره في تاريخ الإسلام وحروبه أدرك صدق هذا القول ووقف على الحقيقة . ( وأيم اللّه لأبقرن الباطل حتى أخرج الحق من خاصرته ) . أقسم عليه السلام باللهّ أنه سوف يشق الباطل حتى يخرج الحق من خاصرته التي خبأه فيها كناية عن أنه سيقاتل أهل الباطل حتى يهتدوا إلى ما هو عليه من الحق وبذلك يموت الباطل ويتخلص الحق مما يشوبه من هذا الباطل . . .
شرح نهج البلاغة — صفحة 186 | السيد عباس علي الموسوي