إنه من أبغض الرجال وأكرههم عند اللّه ، إنه الرجل الذي تخلى اللّه عنه وسلب عنه ألطافه وعنايته وفي الدعاء : « اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين فأهلك » .
ومن وكله اللّه إلى نفسه أو استبد هو برأيه متخليا عن اللّه فهذا يشبه السيارة التي انتهى منها الوقود وتعطلت فيها الأجهزة تفقد الحركة وتصبح عالة على نفسها وعلى من وراءها والإنسان إذا قطع اللّه عنايته به وتخلى عنه خبط خبط عشواء لا يهتدي الطريق ولا يصل إلى مطلوب . . . إنه لضلاله يتخلى عن الطريق المستقيم لا يعرف الاستقامة ولا الطريق إليها فهو مائل منحرف عن ذلك يمشي بغير دليل لم يتخذ الأنبياء والأوصياء هداة وقادة يمشي على أثرهم بل يستبد برأيه فلا يهتدي ولا يرشد . . . ( إن دعي إلى حرث الدنيا عمل وإن دعي إلى حرث الآخرة كسل كأن ما عمل له واجب عليه وكأن ما ونى فيه ساقط عنه ) . وهذه من جملة صفات من وكله اللّه إلى نفسه إنه إذا دعي إلى عمل من أعمال الدنيا يستفيد منه وينتفع هبّ إليه مسرعا نشطا لا يؤخره عنه شيء وإن دعي إلى عمل الآخرة من إصلاح بين الناس وعمل بر ودعوة إلى اللّه كف وامتنع وتباطأ وتكاسل ، ولسوء فعله كأن ما نشط من أجله واجب عليه وما كسل فيه ساقط عنه غير واجب عليه ، إنه لسوء فعله عكس القضايا وغيّر المطلوب .
( وذلك زمان لا ينجو فيه إلا كل مؤمن نومة إن شهد لم يعرف وإن غاب لم يفتقد أولئك مصابيح الهدى وأعلام السرى ) . يتحدث في هذا الفصل عن زمان يأتي يقل فيه الدين فتتعطل أحكامه ويتنكر له أهله وأتباعه ويذكر الناجي فيه ويحدده بأنه المؤمن النومة أي خامل الذكر الذي فسره : إن شهد في المناسبات ومع الناس لم يعرف لأن الأعلام ووسائله من إذاعات وتلفزة ومجلات وجرائد لا تتناوله ولا تعرفه ولا تعرف موقعه فلا يعرفه أحد إنه مجهول في اللقاءات والتجمعات . . . وكذلك من صفات هذا المؤمن أنه إذا غاب عن هذه اللقاءات لا يفتقد ولا يبحث عنه أو يسأل أين هو لأنه لا يتمتع بموقع مميّز بين أبناء الدنيا .
ثم إنه عليه السلام قال : إن هؤلاء هم مصابيح الهدى هؤلاء ينيرون الدرب أمام السالكين إلى اللّه الطالبين مرضاته ، هؤلاء الذين يعلّمون الناس أحكام دينهم ويأخذون بأيديهم إلى اللّه وإلى رضاه وما يحب ويرغب ، هؤلاء هم الذين يرفعون الجهل والغشاوة عن أعين الناس ويكشفون بأنوارهم الطريق المظلم ويوضحونه للناس إنهم دعاة هداة .
شرح نهج البلاغة — صفحة 181
مساهمون: السيد عباس علي الموسوي
ص١٨١