في الدنيا ومن كان نصيبه من دنياه هذا حق له أن لا يغترّ بها وبزينتها وما فيها . . . ( رحم اللّه امرأ تفكر فاعتبر ، واعتبر فابصر ) . دعا بالرحمة لمن تفكر لأن الإنسان إذا فكّر في حاله وحال الدنيا وما هو فيه وما هو صائر إليه اتعظ وأخذ العبرة وإذا اتعظ انكشف له وجه الحق والصواب فأدرك الحقيقة عارية كما هي فعمل لها وأوصى بها وكم في التاريخ من أشخاص تداركتهم رحمة اللّه فحوّلتهم من أشرار فساق فجار إلى أخيار عدول أتقياء ، قد تكون كلمة واحدة تنطلق من قلب صادق فتلتقي بساعة من ساعات الصفاء والطهر والتوجه فتغير مسار هذا الشخص وبرنامج حياته وقصة بشر الحافي مع الإمام الكاظم أصدق شاهد فقد كان بشر منحرفا مستهترا فاسقا وبكلمة واحدة تحوّل ليكون من الأبدال والأوتاد في الأرض . . . ( فكأن ما هو كائن من الدنيا عن قليل لم يكن وكأن ما هو كائن من الآخرة عما قليل لم يزل ) .
موجود الدنيا لزواله كأنه لم يكن ومعدوم الآخرة لوجوده ودوامه لا يفنى ، كناية عن شدة زوال الدنيا وانقضائها وأن الموجود منها لا يبقى وكنى عن دوام الآخرة ونعيمها بعدم الفناء لها ، فنعيم الدنيا يفنى وكأنه لم يكن وأجر الآخرة يبقى وإن لم يأت بعد . . . ( وكل معدود منقض وكل متوقع آت وكل آت قريب دان ) . كل معدود محدود والمحدود ينتهي فينقضي أشار إلى الأعمار وأنها معدودة بالأيام والساعات وهي تتصرم شيئا فشيئا وتهدم في كل لحظة حتى ينتهي عمر هذا الإنسان وما تتوقعه من خير أو شر في الآخرة لا بد وأن يأتي ولك آت قريب وإن طالت مدته لأن كل يوم يمضي يقترب هو منك وتدنو أنت منه . . . ( العالم من عرف قدره وكفى بالمرء جهلا ألّا يعرف قدره ) . الذي يصح أن يطلق عليه أنه عالم وينحصر العلم فيه هو ذلك الذي يعرف قدره أي موقعه من تكوين هذا الوجود ودوره فيه ومن هذه المعرفة تتفرع عنها سائر المعارف الصغيرة من نسبته إلى غيره من الموجودات وما المراد منه بالنسبة إلى الحياة .
ويكفي الإنسان جهلا أن لا يعرف قدره لأن من يجهل موقعه وقدره من اللّه وهذا الكون فهو الجهل الذي يتفرع عنه غيره من الجهل .
( وإن من أبغض الرجال إلى اللّه تعالى لعبدا وكلهّ اللّه إلى نفسه جائرا عن قصد السبيل سائرا بغير دليل ) . هذا هو الرجل الذي سقط من عين اللّه فتركه اللّه وشأنه . . .
شرح نهج البلاغة — صفحة 180
مساهمون: السيد عباس علي الموسوي
ص١٨٠