تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
ابتدأ عليه السلام بمناداة الناس أن ينظروا إلى الدنيا نظر الزاهدين فيها المعرضين عنها وهؤلاء الزاهدون الصادقون قد أعرضوا عن الدنيا واستخدموها لآخرتهم ، ملكوها ولم تملكهم ، لم يعيشوا لبطونهم وشهواتهم وإنما عاشوا للهّ وفي سبيله ومن أجل خدمة عباده ، هؤلاء القوم هم الذين خلفوا الدنيا وراء ظهورهم ولم يجعلوها بما فيها ثمنا لحياتهم فلذا كانت عندهم حقيرة صغيرة . . . ( فإنها واللّه عما قليل تزيل الثاوي الساكن وتفجع المترف الآمن ) . علل نصيحته بعدم بقائها وأقسم أنها عن قريب تهلك المستقر المقيم الهادي ء الذي غفل عنها فظن بقاءه فيها فأخلد إليها فنقلته فجأة بالموت إلى عالم الآخرة . . . وهذا المترف الذي طغى وتكبر وتجبر وأمن غدر الدنيا وغفل عن أشراكها هذا ستنزل عليه بمصيبة مؤلمة في نفسه وفيمن أحب . . . ( لا يجرع ما تولى منها فأدبر ولا يدرى ما هو آت منها فينتظر ) . وهذه من أوصاف الدنيا أيضا ما مضى منها قضى ولم يعد له رجوع فالشباب لن يعود إليك بعد أن تصبح شيخا والقوة لن تعود إليك بعد أن تصبح عاجزا وأيامك الماضية التي كانت رأس مالك لن تعود إليك . . . وأما المستقبل فهو مجهول لا يعلمه إلّا علّام الغيوب فلربما لم يكن يوم غد من أيامك في هذه الدنيا ، ولربما كان ولكنه جاء محملا بالآلام والمصائب والأحزان والأحداث الجسام ، إنك لا تدري ما ذا تحمل الأيام لتعدّ لها عدتها . . . ( سرورها مشوب بالحزن وجلد الرجال فيها إلى الضعف والوهن ) . وهذه من صفات الدنيا إنها لا تصفو لأحد ، إن سرتك من جانب ساءتك من عدة جوانب . . . وقوة الرجال وبأسهم وشدتهم إلى ضعف وانحلال ، كانت لك قوة أيام شبابك تستطيع أن تقطع المسافات الطويلة مشيا وكان لك قوة تستطيع أن تصارع الأبطال ولكن قد عجزت أو سوف تعجز عن نقل رجلك من مكانها ولن تستطيع أن تقاوم طفلا صغيرا بعد حين . . . ( فلا يغرنكم كثرة ما يعجبكم فيها لقلة ما يصحبكم منها ) . لا يأخذكم الغرور بكثرة ما يعجبكم من الدنيا ، يعجبكم المال والبنين والنساء والدور والقصور ولكن هذه كلها يجب أن لا تخدعكم عن طاعة اللّه فتركنوا إليها وتفرحوا بها . . . وعلل ذلك بقلة ما نأخذه معنا منها إذ لا نأخذ إلا الكفن ثلاث خرق نأبى أن نلبسها