يلتقطون الحكم ويبحثون عن أصحابها . . . ( وأعظكم بالموعظة البالغة فتتفرقون عنها ) . أعظكم بكل موعظة ترقق القلب وتخشع لها النفس وتؤثر أثرها في النفس القابلة للانتفاع فتتفرقون عنها وكأنكم لم تسمعوها وكأنها لم تطرق أسماعكم . . . ( وأحثكم على جهاد أهل البغي فما آتي على آخر قولي حتى أراكم متفرقين أيادي سبا ترجعون إلى مجالسكم وتتخادعون عن مواعظكم ) . كان عليه السلام يدفع أصحابه ويحضهم على قتال أهل الشام الفئة الباغية التي جاءت تسميتها على لسان النبي الأكرم . كان يحضهم وبمختلف الأساليب الشرعية والعرفية والوعظية فلم يتم كلامه ويخرجوا من عنده حتى يتفرقوا إلى غير اجتماع ولا لقاء فكل واحد يعود إلى بيته وأسرته ومحل عمله ويخدعون أنفسهم كأنهم لم يسمعوا الكلام ولم يصغوا إلى المقال . . . ( أقومكم غدوة وترجعون إليّ عشية كظهر الحنية عجز المقوم وأعضل المقوّم ) . أصلحكم في أول النهار بمواعظي وكلامي وما ألقيه عليكم ولكن لم يأت عليكم المساء حتى تعودا إلى اعوجاجكم وعصيانكم وتمردكم شبههم بظهر القوس في الاعوجاج من حيث عدم امكان تقويمه وتعديله لقد عجزت عن إصلاحكم إقرار منه بالعجز عن إصلاحهم لعدم قابليتهم للهداية لا لقصور في البيان وعجز في اللسان لقد أضحى مرضهم مزمنا لا شفاء له ونفاقهم قديم لا يصلحه موعظة أو حكمة . . . ( أيها القوم الشاهدة أبدانهم الغائبة عنهم عقولهم المختلفة أهواؤهم ، المبتلى بهم أمراؤهم ) . هكذا كانوا وبهذه الصفات عاشوا فأبدانهم حاضرة أمام عليّ وفي هذه الدنيا . . . هياكل بشرية تأخذ حجما من المساحة وقد تملأ العين منظرا وهيئة ولكنها بدون عقل . . . لقد عطلت قواها العقلية وإدراكاتها الذهنية ، وهذا على حد قوله تعالى : ( 1 ) وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ . وأما أهواؤهم فمختلفة فهذا يريد الحرب وذاك يريد السلم هذا يريد الدنيا وذاك يريد الآخرة وهذا يريد أمرا والآخر يريد خلافه لم يجتمعوا إلا على اختلاف الآراء والأهواء . . . ثم بيّن ابتلاؤه بهم وما أشده وأقساه من ابتلاء ابتلي بهم حيث لم يطيعوه ولم يسمعوا قوله فكانت له فتنة صعبة هل يأخذهم بالقهر والقوة وبما يأخذ الظالمون به رعيتهم وحاشاه أن يكون جبارا يطلب الدنيا ويروّع الناس أم يعاملهم باللين واللطف
شرح نهج البلاغة — صفحة 146
مساهمون: السيد عباس علي الموسوي
ص١٤٦
هامش
( 1 ) سورة المنافقون آية - 4 .