لما كانت سنة خمس وثلاثين - وهي السنة التي قتل فيها عثمان - سار مالك بن الحارث النخعي من الكوفة في مائتي رجل وحكيم بن جبلة العبدي في مائة رجل من أهل البصرة ومن أهل مصر ستمائة رجل على أربعة ألوية لها رؤوس أربعة مع كل رجل منهم لواء وفيهم محمد بن أبي بكر وكان جماع أمرهم إلى عمرو بن بديل بن ورقاء الخزاعي وكان من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وإلى عبد الرحمن بن عديس التجيبي وقد كتبوا إلى عثمان كتابا يذكرونه باللهّ وباليوم الآخر .
وكتب أهل المدينة إليه أيضا يدعونه إلى التوبة ويحتجون ويقسمون له باللهّ لا يمسكون عنه أبدا حتى يقتلوه أو يعطيهم ما يلزمه من حق اللّه فلما خاف القتل شاور نصحاءه وأهل بيته فقال لهم : قد صنع القوم ما قد رأيتم فما المخرج .
فأشاروا عليه أن يرسل إلى علي بن أبي طالب عليه السلام فيطلب إليه أن يردهم عنه ويعطيهم ما يرضيهم ليطاولهم حتى يأتيه إمداد .
فقال عثمان : إنّ القوم لن يقبلوا التعليل وهم محمليّ عهدا وقد كان مني في قدمتهم الأولى ما كان فمتى أعطهم ذلك سألوني الوفاء به .
فقال مروان بن الحكم : يا أمير المؤمنين مقاربتهم حتى تقوى أمثل من مكاثرتهم على القرب فاعطهم ما سألوك وطاولهم ما طاولوك فإن هم بغوا عليك فلا عهد لهم فأرسل إلى علي عليه السلام فدعاه فلما جاءه قال : يا أبا حسن إنه قد كان من الناس ما قد رأيت وكان مني ما قد علمت ولست آمنهم على قتلي فارددهم عني فإن لهم اللّه عز وجل أن أعتبهم من كل ما يكرهون وأن أعطيهم الحق من نفسي ومن غيري وإن كان في ذلك سفك دمي فقال له عليه السلام : الناس إلى عدلك أحوج منهم إلى قتلك وإني لا أرى قوما لا يرضون إلا بالرضى وقد كنت أعطيتهم في قدمتهم الأولى عهدا من الله لترجعن عن جميع ما نقموا فرددتهم عنك ثم لم تف لهم بشيء من ذلك فلا تغرني هذه المرة من شيء فإني معطيهم عليك الحق ، قال : نعم فاعطهم فو اللّه لأفين لهم فخرج علي عليه السلام إلى الناس فقال : أيها الناس إنكم إنما طلبتم الحق فقد أعطيتموه ، إن عثمان قد زعم أنه منصفكم من نفسه ومن غيره وراجع عن جميع ما تكرهون فاقبلوا منه ووكدوا عليه .
قال الناس : قد قبلنا فاستوثق منه لنا فإنا واللّه ما نرضى بقول دون فعل .
فقال لهم علي عليه السلام : ذلك لكم ، ثم دخل عليه فأخبره الخبر فقال عثمان :
شرح نهج البلاغة — صفحة 109
مساهمون: السيد عباس علي الموسوي
ص١٠٩