فَأَنْبَأْتُكُمْ أَنَّهُمْ لَيْسُوا بِأَهْلِ دينٍ وَلَا أَصْحَابِ قُرْآنٍ ، وَأَنَّهُمْ إِنَّمَا رَفَعُوهَا لَكُمْ غَدْراً وَمَكيدَةً وَخَديعَةً وَوَهْناً وَضَعْفاً ، فَامْضُوا ، عِبَادَ اللّهِ ، عَلى حَقِّكُمْ وَصِدْقِكُمْ لِقِتَالِهِمْ . فَأَبَيْتُمْ عَلَيَّ وَاتَّهَمْتُمُوني ، وَقُلْتُمُ : اقْبَلْ مِنْهُمْ ، وَاكْفُفْ عَنْهُمْ ، فَإِنَّهُمْ إِنْ أَجَابُوا إِلى مَا فِي الْقُرْآنِ جَامَعُونَا عَلى مَا نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ ، وَإِنْ أَبَوْا كَانَ أَعْظَمَ لِحُجَّتِنَا عَلَيْهِمْ . فَقَبِلْتُ مِنْكُمْ ، وَكَفَفْتُ عَنْهُمْ ، إِذْ وَنَيْتُمْ وَأَبَيْتُمْ . فَكَانَ الصُّلْحُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ عَلى رَجُلَيْنِ حَكَمَيْنِ لِيُحْيِيَا مَا أحَيْاَهُ الْقُرْآنُ ، وَيُميتَا مَا أمَاَتهَُ الْقُرْآنُ . فَاخْتَلَفَ رَأْيُهُمَا ، وَتَفَرَّقَ حُكْمُهُمَا ، وَنَبَذَا مَا فِي الْكِتَابِ ، وَخَالَفَا مَا فِي الْقُرْآنِ ، وَاتَّبَعَا هَوَاهُمَا بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللّهِ ، فَجَنَّبَهُمَا اللّهُ السَّدَادَ ، وَأَهْوى بِهِمَا في غَمْرَةِ ( 1 ) الضَّلَالِ ، وَكَانَا أَهْلَ ذَلِكَ . ثُمَّ إِنَّ طَائِفَةً مِنَّا اعْتَزَلَتْ ( 2 ) فَتَرَكْنَاهُمْ مَا تَرَكُونَا ، حَتّى إِذَا عَاثُوا فِي الأَرْضِ مُفْسِدينَ يَقْتَلُونَ الْمُؤْمِنينَ ، وَكَانَ فيمَنْ قتَلَوُهُ أَهْلَ مِيَرَةٍ مِنْ بَني أَسَدٍ ، وَقَتَلُوا خَبّاباً وَابنْهَُ وَأُمَّ ولَدَهِِ وَالْحَارِثَ بْنِ مُرَّةِ الْعَبْدِيِّ . فَبَعَثْتُ إِلَيْهِمْ دَاعِياً ، فَقُلْتُ لَهُمُ : ادْفَعُوا إِلَيْنَا قَتَلَةَ إِخْوَانِنَا ، ثُمَّ كِتَابُ اللّهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ . فَقَالُوا : كُلُّنَا قَتَلْنَاهُمْ ، وَكُلُّنَا اسْتَحَلَلْنَا دِمَاءَهُمْ وَدِمَاءَكُمْ ، ثُمَّ شَدَّتْ عَلَيْنَا خَيْلُهُمْ وَرِجَالُهُمْ ، فَصَرَعَهُمُ اللّهُ مَصَارِعَ الْقَوْمِ الظّالِمينَ . فَلَمّا كَانَ ذَلِكَ مِنْ شَأْنِهِمْ ، أَمَرْتُكُمْ أَنْ تَمْضُوا مِنْ فَوْرِكُمْ ذَلِكَ إِلى عَدُوِّكُمْ ، فإَنِهَُّ أَفْزَعُ لِقُلُوبِهِمْ ، وَأَنْهَكُ لِمَكْرِهِمْ ، وَأَهْتَكُ لِكَيْدِهِمْ . فَقُلْتُمْ : كَلَّتْ سُيُوفُنَا ، وَنَفَدَتْ نِبَالُنَا ، وَنَصَلَتْ أَسِنَّةُ رِمَاحِنَا ، وَعَادَ أَكْثَرُهَا قِصْداً ، فَارْجِعْ بِنَا إِلى مِصْرِنَا لِنَسْتَعِدَّ بِأَحْسَنِ عُدَّتِنَا ، وَإِذَا رَجَعْتَ زِدْتَ في مُقَاتِلَتِنَا عِدَّةَ مَنْ قُتِلَ مِنّا وَمَنْ قَدْ فَارَقَنَا ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَقْوى لَنَا عَلى عَدُوِّنَا . فَأَقْبَلْتُ بِكُمْ حَتّى إِذَا أَطْلَلْتُمْ عَلَى الْكُوفَةِ أَمَرْتُكُمْ أَنْ تَنْزِلُوا بِالنُّخَيْلَةِ ، وَأَنْ تَلْزَمُوا مُعَسْكَرَكُمْ ، وَأَنْ تَضُمُّوا إلِيَهِْ قَوَاصيكُمْ ، وَأَنْ تُوَطِّنُوا عَلَى الْجِهَادِ أَنْفُسَكُمْ ، وَلَا تُكْثِرُوا زِيَارَةَ أَبْنَائِكُمْ وَنِسَائِكُمْ ،
تمام نهج البلاغة — صفحة 891
مساهمون: السيد صادق الموسوي
ص٨٩١
هامش
( 1 ) - ودلّاهما في . ورد في الغارات ص 206 . وشرح ابن أبي الحديد ج 6 ص 97 . والبحار ( مجلد قديم ) ج 8 ص 602 . ومنهاج البراعة ج 3 ص 384 .
( 2 ) - انخذلت فرقة منّا . ورد في الغارات ص 206 . والبحار ( مجلد قديم ) ج 8 ص 602 . ومنهاج البراعة ج 3 ص 384 . والمستدرك لكاشف الغطاء ص 116 . ومصباح البلاغة ج 1 ص 155 عن المسترشد للطبري ونهج البلاغة الثاني ص 263 . باختلاف يسير .