حلالها حساب وفي حرامها عقاب ، من صحّ فيها أمن ، ومن مرض فيها ندم ، ومن استغنى فيها فتن ، ومن افتقر فيها حزن » ( 1 ) . وقال الثاني : « دخل رجل على عليّ عليه السلام فقال : كيف أصبحت قال : أصبحت ضعيفا ، آكل رزقي وأنتظر أجلي » قال : وما تقول في الدّنيا قال : « وما أقول في دار أوّلها غمّ ، وآخرها موت ، من استغنى فيها فتن ، ومن افتقر فيها حزن ، حلالها حساب وحرامها عقاب » قال : فأيّ الخلق أنعم قال : « أجساد تحت التّراب قد أمنت العقاب ، وهي منتظرة الثواب » ( 2 ) . وقال الثالث : قال عليّ عليه السلام يوما - وأحدق الناس به - : أحذّركم الدّنيا فانّها منزل قلعة وليست بدار نجعة ، هانت على ربّها ، فخلط خيرها بشرّها ، وحلوها بمرّها ، لم يسقها لأوليائه ولم يضربها على أعدائه ، وهي دار ممرّ لا دار مستقرّ ، فيها رجلان : رجل باع نفسه فأوبقها ، ورجل ابتاع نفسه فأعتقها ، إن اعذوذب منها جانبا فحلالها ، أمرّ منها جانب فأوكى ، أوّلها عناء ، وآخرها فناء ، من استغنى فيها فتن ، ومن افتقر فيها حزن ، من ساعاها فاتته ، ومن قعد عنها أتته ومن أبصر بها بصرّته ، ومن أبصر إليها أعمته ، فالإنسان فيها غرض المنايا ، مع كلّ جرعة شرق ومع كلّ أكلة غصص ، لا تنال منها نعمة إلّا بفراق أخرى ( 3 ) . « ما أصف من دار أوّلها عناء » أي : التعب ، وأوّلها عناء حيث أنّ الإنسان لابدّ أن يكدّ ويجهد في أوّل عمره حتّى يؤمّن معاشه بمشقّات كثيرة . « وآخرها فناء » حيث أنهّ بعد تحصيل الأموال والعلائق يتركها ويرحل
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 418
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٤١٨
هامش
( 1 ) الكامل للمبّرد 1 : 89 طبع لبنان .
( 2 ) مروج الذهب للمسعودي 2 : 421 .
( 3 ) مطالب السؤول لابن طلحة : 33 .