أسبابه أنهّ لمّا كان السبب العامّ القريب للموت هو انطفاء الحرارة الغريزية عن فناء الرطوبة الأصليّة التي منها خلقنا وكان فناء تلك الرطوبة عن عمل الحرارة الغريزية فيها التجفيف والتحليل ، كان كلّ عضوا يبس في طبيعته وأبرد ، أسرع إلى البطلان ، وأسبق إلى الفساد فنقول : أمّا أنّ آلة النطق أسرع فسادا من آلة السمع ، فلأنّ آلة النّطق مبنيّة على الأعصاب المحرّكة ومركّبة منها ، وآلة السمع من الأعصاب المفيدة للحسّ ، واتّفق الأطباء على أنّ الأعصاب المحرّكة أيبس وأبرد لكونها منبعثة من مؤخّر الدماغ دون الأعصاب المفيدة للحسّ ، فإنّ جلّها منبعث من مقدّم الدّماغ فكانت لذلك أقرب إلى البطلان ، وأمّا بطلان آلة السمع قبل البصر فلأنّ منبت الأعصاب التي هي محلّ القوّة السامعة أقرب إلى مؤخّر الدّماغ من منابت محلّ القوّة الباصرة فكانت أيبس وأبرد ، وأقبل لانطفاء القوّة الغريزية ( 1 ) . « وخرجت الروّح من جسده فصار جيفة بين أهله » الإنسان أولّه نطفة ، وآخره جيفة . « قد أوحشوا من جانبه وتباعدوا من قربه » لكونهم من أهل الدّنيا ، والميّت من أهل الآخرة ، وأنت يوم ترحل عنهم كضيف بتّ فيهم . « لا يسعد باكيا ولا يجيب داعيا » في ( المروج ) : ( ذكر المدائني انّ الحجّاج لم يكن يظهر لندمائه بشاشة إلّا في يوم دخلت عليه ليلى الأخيليّة ، فقال لها : بلغني أنّك مررت بقبر توبة بن حمير ، وعدلت عنه ، فو اللّه ما وفّيت له ، ولو كان هو بمكانك وأنت بمكانه ما عدا عنك ، قالت : لي عذر قال : وما هو قالت : « سمعته وهو يقول :
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 379
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٣٧٩
ولو أنّ ليلى الأخيليّة سلّمت * عليّ ودوني جندل وصفائح
هامش
( 1 ) شرح ابن ميثم 3 : 65 .