تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 379

مساهمون:

ص٣٧٩

أسبابه أنهّ لمّا كان السبب العامّ القريب للموت هو انطفاء الحرارة الغريزية عن فناء الرطوبة الأصليّة التي منها خلقنا وكان فناء تلك الرطوبة عن عمل الحرارة الغريزية فيها التجفيف والتحليل ، كان كلّ عضوا يبس في طبيعته وأبرد ، أسرع إلى البطلان ، وأسبق إلى الفساد فنقول : أمّا أنّ آلة النطق أسرع فسادا من آلة السمع ، فلأنّ آلة النّطق مبنيّة على الأعصاب المحرّكة ومركّبة منها ، وآلة السمع من الأعصاب المفيدة للحسّ ، واتّفق الأطباء على أنّ الأعصاب المحرّكة أيبس وأبرد لكونها منبعثة من مؤخّر الدماغ دون الأعصاب المفيدة للحسّ ، فإنّ جلّها منبعث من مقدّم الدّماغ فكانت لذلك أقرب إلى البطلان ، وأمّا بطلان آلة السمع قبل البصر فلأنّ منبت الأعصاب التي هي محلّ القوّة السامعة أقرب إلى مؤخّر الدّماغ من منابت محلّ القوّة الباصرة فكانت أيبس وأبرد ، وأقبل لانطفاء القوّة الغريزية ( 1 ) . « وخرجت الروّح من جسده فصار جيفة بين أهله » الإنسان أولّه نطفة ، وآخره جيفة . « قد أوحشوا من جانبه وتباعدوا من قربه » لكونهم من أهل الدّنيا ، والميّت من أهل الآخرة ، وأنت يوم ترحل عنهم كضيف بتّ فيهم . « لا يسعد باكيا ولا يجيب داعيا » في ( المروج ) : ( ذكر المدائني انّ الحجّاج لم يكن يظهر لندمائه بشاشة إلّا في يوم دخلت عليه ليلى الأخيليّة ، فقال لها : بلغني أنّك مررت بقبر توبة بن حمير ، وعدلت عنه ، فو اللّه ما وفّيت له ، ولو كان هو بمكانك وأنت بمكانه ما عدا عنك ، قالت : لي عذر قال : وما هو قالت : « سمعته وهو يقول :

ولو أنّ ليلى الأخيليّة سلّمت * عليّ ودوني جندل وصفائح
هامش
( 1 ) شرح ابن ميثم 3 : 65 .