تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 258

مساهمون:

ص٢٥٨
وأمر فأخرجت في نطع ، وخرج معها لا يتكلّم حتّى جلس على قبرها ، فلمّا دفنت قال : أصبحت واللّه كما قال كثيّر :
فإن يسل عنك القلب أو يدع الصّبى * فباليأس يسلو عنك لا بالتجلّد فكلّ خليل رءاني فهو قائل * من أجلك هذا هامة اليوم أو غد

فما قام إلّا خمس عشرة ليلة حتّى دفن إلى جنبها ( 1 ) . وروى المدائني : أنهّ اشتاق إليها بعد ثلاثة أيّام من دفنها ، فقال : لابدّ أن تنبش ، فنبشت وكشف له عن وجهها وقد تغيّر تغيّرا قبيحا فقيل له : اتق اللّه ، ألا ترى كيف صارت فقال : ما رأيتها أحسن منها اليوم ، أخرجوها ، فجاءه مسلمة ووجوه أهله ، فلم يزالوا به حتّى أزالوه عن ذلك ودفنوها ، فانصرف فكمد كمدا شديدا حتّى مات ، فدفن إلى جنبها . وروى أنهّ لمّا ماتت لم يستطع يزيد الرّكوب من الجزع ، فحمل على منبر على رقاب الرجال ( 2 ) . وفي ( وصايا أبي حاتم ) عن حصين : إنّي لقائم على رأس سليمان بن عبد الملك أذبّ عنه بمنديل إذ غزا الصائفة إذ تشممّ ، فوجد رائحة خبز فقال : إئتوني من هذا الخبز ، فأتوه بثلاثة أرغفة عظام من خبز الفرني ، فقال : يا غلام انطلق إلى المطبخ فانظر هل تصيب مخّا ، فانطلق فنكت عظاما ممّا طبخ ثمّ أقبل به في شيء ، فلما رآه قال : ويلك ما هذا فانصرف الغلام فما ترك في المطبخ عظما إلّا نكته ثمّ أتى به في صحفة ، فأكل تلك الأرغفة الحارّة بذلك المخّ ثم وثب ، فدخل على امّ سلمة بنت عمر بن سهل فما نزل عن بطنها إلّا وهو مغشيّ عليه ، فأقام يوما وليلة ثمّ أفاق ، فقال : هو الموت فلم يلبث بعد ذلك إلّا ستّة أيّام حتى هلك ( 3 ) .

هامش
( 1 ) الأغاني 15 : 143 - 144 .
( 2 ) المصدر نفسه 15 : 144 .
( 3 ) المعمّرون والوصايا لأبي حاتم : 166 .