التحوّلات حسبما ذكر في تلك الآية قلت : لأنهّ اقتصر بهما على خلق الإنسان في مواضع اخر دون المضغة وما بعدها ، قال تعالى : خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ ( 1 ) وقال : مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خلَقَهَُ مِنْ نُطْفَةٍ خلَقَهَُ . . . ( 2 ) ، خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ ( 3 ) . فإن قيل : لم جعل العاطف في تلك الآية في جعل النطفة في قرارها وفي خلقها علقة ( ثمّ ) وفي خلق العلقة مضغة وخلق المضغة عظاما وكسوة العظم اللّحم ( الفاء ) مع أنّ المدّة في صيرورة النطفة علقة - أربعين يوما كما في كلّ من صيرورة العلقة مضغة - والمضغة عظاما وكسوة العظام اللّحم ، ولذا قال القميّ بعد الآية : ستّة أجزاء وستّ استحالات وفي كلّ جزء واستحالة دية محدودة - ففي النّطفة عشرون دينارا ، وفي العلقة أربعون ، وفي المضغة ستّون ، وفي العظم ثمانون ، وفي كسوته مائة ، فإذا استهلّ فالدية كاملة . قلت : ليس المراد بجعل النّطفة في قرارها الرّحم بل الصّلب والترائب ، وبين النطفة ثمّة وصيرورتها بعد انتقالها في الرحم علقة مدّة متراخية فأتى بثمّ كما أنّ في صيرورة السلالة - وهي الخلاصة من الطعام - نطفة ، أيضا مدّة متراخية ، أمّا إنشاؤه خلقا آخر ، بمعنى نفخ الرّوح فيه وإن كان بعد كسوة العظام اللحم بلا فصل إلّا أنهّ لما كان من واد اخر أتى أيضا بثمّ . « وجنينا » الجنين : الولد ما دام في البطن ، والجمع الأجنّة قال تعالى : الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ ( 4 ) .
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 163
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص١٦٣
هامش
( 1 ) الطارق : 6 .
( 2 ) عبس : 18 - 19 .
( 3 ) العلق : 3 .
( 4 ) النجم : 32 .