تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣

الخبر : أنّ يوسف عليه السلام لو كان سأل ربهّ العافية من المصريّات بدون سجن لعافاه ولكنهّ قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلِيَهِْ ( 1 ) ، فصرف عنه كيدهن بما سأل . « وقدّر لكم أعمارا سترها عنكم » قال تعالى : وَأَجَلٌ مُسَمًّى عنِدْهَُ . . . ( 2 ) وقال الصادق عليه السلام : تأمّل يا مفضّل في ما ستر عن الإنسان من علمه بمدّة حياته فانهّ لو عرف مقدار عمره وكان قصير العمر ، لم يتهنّأ بالعيش مع ترقّب الموت وتوقعّه لوقت قد عرفه ، بل كان بمنزلة من قد فنى ماله أو قارب الفناء ، فقد استشعر الفقر والوجل من فناء ماله ، على أنّ الّذي يدخل على الإنسان من فناء العمر أعظم مما يدخل عليه من فناء المال ، لأنّ من يقلّ ماله يأمل أن يستخلف منه فيسكن إلى ذلك ، ومن أيقن بفناء العمر استحكم عليه اليأس ، وإن كان طويل العمر ثمّ عرف ذلك ، وثق بالبقاء ، وانهمك في اللّذات والمعاصي ، وعمل على أنهّ يبلغ من ذلك شهوته ثمّ يتوب في آخر عمره ، وهذا مذهب لا يرضاه تعالى من عباده ، ألا ترى لو أنّ عبدا لك عمد على أنهّ يسخطك سنة ويرضيك يوما لم تقبل ذلك منه ، ولم يحلّ عندك محلّ العبد الصالح ، فإن قلت : أوليس قد يقيم الإنسان على المعصية حينا ثمّ يتوب فتقبل توبته قلنا : إنّ ذلك شيء يكون لغلبة الشهوات ، وتركه مخالفتها من غير أن يقدّرها في نفسه ، ويبني عليه أمره ، فيصفح اللّه عنه ، ويتفضّل عليه بالمغفرة ، فأمّا من قدّر أمره على أن يعصي ما بدا له ثمّ يتوب آخر ذلك ، فانّما يحاول خديعة من لا يخادع بأن يتسلّف التلذّذ في العاجل ، ويعد نفسه التوبة في الآجل ، ولأنهّ قد لا يفي ، فإنّ النّزوع من الترفهّ والتلذّذ ولا سيما عند الكبر وضعف البدن أمر

هامش
( 1 ) يوسف : 33 .
( 2 ) الأنعام : 2 .
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 153 | الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )