وهوب ، فأصبحتم تحلّون من حالهم حالا وتحتذون من مسلكهم مثالا . . . فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا ( 1 ) فإنّما أنتم فيه سفر ، حلول الموت بكم نزول ، تنتضل فيكم مناياه ، وتمضي بأخباركم مطاياه ، إلى دار الثواب والعقاب ، والجزاء والحساب ، فرحم اللّه امرأ راقب ربهّ ، وتنكّب ذنبه ، وكابر هواه ، وكذّب مناه ، امرأ أزمّ نفسه من التّقوى بزمام ، وألجمها من خشية ربّها بلجام ، فقادها إلى الطاعة بزمامها ، وقرعها عن المعصية بلجامها ، رافعا إلى المعاد طرفه ، متوقعا في كلّ آن حتفه ، دائم الفكر ، طويل السهر ، عزوفا عن الدّنيا ، سإما كدوحا ، لآخرته متحافظا ، امرأ جعل الصبر مطيّة نجاته ، والتقوى عدّة وفاته ، ودواء أجوائه ، فاعتبر وقاس ، وترك الدنيا والنّاس ، يتعلّم للتفقهّ والسّداد ، وقد وقرّ قلبه ذكر المعاد ، وطوى مهاده ، وهجر وساده ، منتصب على أطرافه ، داخل في أعطافه ، خاشعا للهّ - عزّ وجلّ - يراوح بين الوجه والكفّين خشوع في السّرّ لربهّ ، لدمعه صبيب ولقلبه وجيب ، شديدة آساله ، وترتعد لخوف اللّه - جلّ ذكره - أوصاله ، قد عظمت في ما عند اللّه رغبته واشتدّت منه رهبته ، راضيا بالكفاف من أمره ، يظهر دون ما يكتم ، ويكتفي بأقلّ ممّا يعلم ، أولئك ودائع اللّه في بلاده ، المدفوع بهم عن عباده ، لو أقسم أحدهم على اللّه - جلّ ذكره وتعالى - لأبرهّ ، أو دعا على أحد نصره ، يسمع إذا ناجاه ، ويستجيب له إذا دعاه ، جعل اللّه العاقبة للتقوى ، والجنّة لأهلها مأوى ، دعاؤهم فيها أحسن الدّعاء سبحانك اللّهمّ ( 2 ) . . . قوله عليه السلام : « رحم اللّه امرأ سمع حكما فوعى » - أي : سمع حكمة من العلوم فحفظها وجعل أذنه وعاء لها ، قال تعالى : وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أَنْ
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 140
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص١٤٠
هامش
( 1 ) لقمان : 33 ، فاطر : 5 .
( 2 ) الكافي للكليني 8 : 170 ح 193 .