ودروس الشريعة ، فلمّا بطل الوجهان ثبت الثالث بالاضطرار ، وهو أن بعضها حقّ وبعضها باطل ، فإذا كان كذلك فلا بد من دليل على ما يحقّ منها ليعتقد وينفى خلافه .
وروايتك هذه من الأخبار التي أدلّتها باطلة في أنفسها ، وذلك أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أحكم الحكماء ، وأولى النّاس بالصدق ، وأبعد النّاس من الأمر بالمحال ، وحمل النّاس على التديّن بالخلاف - إلى أن قال - : فإن كان أبو بكر وعمر مختلفين فكيف يجوز الاقتداء بهما وهذا تكليف ما لا يطاق ، لأنّك إذا اقتديت بواحد فقد خالفت الآخر .
والدليل على اختلافهما : أنّ أبا بكر سبى أهل الردة وردّهم عمر أحرارا ، وأشار عمر على أبي بكر بعزل خالد وقتله بمالك بن نويرة ، فأبى أبو بكر عليه ، وحرم عمر المتعتين ولم يفعل ذلك أبو بكر - إلى أن قال - : فقال آخر : إنّ النبيّ قال : ( لو كنت متّخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ) .
فقال المأمون : هذا مستحيل من قبل أنّ رواياتكم ان النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لمّا آخى بين أصحابه آخى عليّا عليه السّلام وقال له : ( ما أخّرتك إلّا لنفسي ) .
فقال الآخر : إنّ عليّا قال على المنبر : ( خير هذه الامّة بعد نبيّها أبو بكر وعمر ) .
قال المأمون : هذا مستحيل من قبل أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لو علم أنّهما أفضل ، ما ولّى عليهما مرّة عمرو بن العاص ومرّة أسامة بن زيد . وممّا يكذب هذه الرواية قول عليّ عليه السّلام لمّا قبض النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : أنا أولى بمجلسه منّي بقميصي ، ولكنّي أشفقت أن يرجع النّاس كفّارا .
فقال آخر : فإنّ أبا بكر أغلق بابه وقال : ( هل من مستقيل فأقيله ) فقال عليّ : ( قدّمك النبيّ فمن ذا يؤخرك ) .
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 500
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٥٠٠