الساعة . فخرج أبو ذرّ إلى راحلته ، فشدّها بكورها ( 1 ) ، وأنساعها ( 2 ) ، فاجتمع إليه الناس فقالوا له : رحمك اللّه أين تريد قال : أخرجوني إليكم غضبا عليّ ، وأخرجوني منكم إليهم الآن عبثا بي ، ولا يزال هذا الأمر فيما أرى فيما بيني وبينهم حتّى يستريح برّ ، أو يستراح من فاجر . ومضى . وسمع الناس بخروجه حين خرج من دمشق ، فساروا معه حتّى انتهى إلى دير مرّان ( 3 ) - إلى أن قال - : فلمّا دخل على عثمان قال له : لا قرّب اللّه بعمرو عينا . فقال أبو ذرّ : واللّه ما سمّاني أبواي عمرا ولكن لا قرّب اللّه من عصاه وخالف أمره ، فارتكب هواه . فقام إليه كعب الأحبار فقال : ألا تتّقي اللّه يا شيخ وتجيب أمير المؤمنين بهذا الكلام فرفع أبو ذرّ عصا كانت في يده فضرب بها رأس كعب ، ثمّ قال له : يا بن اليهوديّين ما كلامك مع المسلمين فو اللّه ما خرجت اليهوديّة من قلبك بعد . فقال عثمان : واللّه لا جمعتني وإيّاك دار ، قد خرفت ، وذهب عقلك ، أخرجوه من بين يديّ حتّى تركبوه قتب ناقة بغير وطاء ، ثمّ انخسوا ( 4 ) به الناقة ، وتعتعوه حتّى توصلوه الربذة ، فنزلّوه بها من غير أنيس حتّى يقضي اللّه فيه ما هو قاض . فأخرجوه متعتعا ( 5 ) موهونا ( ملهوزا ) بالعصيّ . وتقدّم عثمان أن لا يشيعّه أحد من الناس ، فبلغ ذلك عليّا عليه السّلام ، فبكى حتّى بلّ لحيته بدموعه ، ثمّ قال : أهكذا يصنع بصاحب رسول اللّه إنّا للهّ وإنّا
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 282
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٢٨٢
هامش
( 1 ) الكور - بالضمّ - : الرحل بأداته . ( الصحاح 2 : 810 ، مادة : كور ) .
( 2 ) الأنساع : جمع النّسعة : التي تنسج عريضا للتصدير . ( الصحاح 3 : 1290 ، مادة : نسع ) .
( 3 ) هذا الدير بالقرب من دمشق على تل مشرف على مزارع الزعفران ورياض حسنة ، وبناؤه بالجصّ . ( معجم البلدان 2 : 533 ) .
( 4 ) نخسوا بفلان : نخسوا دابتّه وطردوه . ( أساس البلاغة : 450 ، مادة : نخس ) .
( 5 ) التعتعة : الحركة العنيفة . ( لسان العرب 2 : 36 ، مادة : تعع ) .