لعلّ أبا ذرّ قد نفي قال : نعم واللّه . فاسترجع أبو الدرداء وصاحبه قريبا من عشر مرّات ، ثمّ قال أبو الدرداء : . . . فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ ( 1 ) كما قيل لأصحاب الناقة ، اللهمّ إن كانوا كذّبوا أبا ذرّ فإنّي لا أكذبّه ، وإن اتهّموه فإنّي لا أتهّمه ، وإن استغشوّه فإنّي لا أستغشه ، إنّ النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كان يأتمنه حيث لا يأتمن أحدا ، ويسرّ إليه حتّى لا يسرّ إلى أحد . أما والذي نفسي بيده لو أنّ أبا ذرّ قطع يميني ما أبغضته بعد ما سمعت النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يقول : ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذرّ ( 2 ) . وروى عن الأحنف بن قيس : بينا نحن جلوس مع أبي هريرة إذ جاء أبو ذرّ ، فقال : يا أبا هريرة ، هل افتقر اللّه منذ استغنى فقال أبو هريرة : سبحان اللّه بل اللّه الغنيّ الحميد ونحن الفقراء إليه . قال أبو ذرّ : فما بال هذا المال يجمع بعضه إلى بعض . فقال : مال اللّه قد منعوه أهله من الناس والمساكين . ثمّ انطلق أبو ذرّ ، فقلت لأبي هريرة : ما لكم لا تأبون مثل هذا قال : هذا رجل ( قد ) وطّن نفسه على أن يذبح في اللّه ، أما إنّي أشهد أنّي سمعت النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يقول : ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذرّ ، فإذا أردتم أن تنظروا إلى أشبه الناس بعيسى بن مريم برّا وزهدا ونسكا فعليكم به ( 3 ) . وروى أيضا مسندا أنّ معاوية قام بالشام خطيبا فقال : أيّها الناس ، إنّما أنا خازن ، فمن أعطيته فاللهّ يعطيه ، ومن حرمته فاللهّ يحرمه . فقام إليه أبو ذرّ فقال : كذبت واللّه يا معاوية إنّك لتعطي من حرم اللّه ،
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 280
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٢٨٠
هامش
( 1 ) القمر : 27 .
( 2 ) نقله عنه العلّامة المجلسي رحمه اللهّ في بحار الأنوار ، 8 : 337 ط الكمباني .
( 3 ) المصدر نفسه .