تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 21

مساهمون:

ص٢١
داعيا . فقالوا : يا ابن رسول اللّه وددنا لو عرفنا كيف الموت وكيف حال صاحبنا فقال : الموت هو المصفاة يصفّي المؤمنين من ذنوبهم فيكون آخر ألم يصيبهم وكفارة آخر وزر عليهم ، ويصفّي الكافرين من حسناتهم فيكون آخر لذة أو نعمة أو رحمة تلحقهم وهو آخر ثواب حسنة تكون لهم ، وأما صاحبكم هذا فقد نخل من الذنوب نخلا وصفّي من الآثام تصفية ، وخلص حتى نقّي كما ينقّى الثوب وصلح لمعاشرتنا في دار الأبد . ومرض رجل من أصحاب الرضا عليه السّلام فعاده فقال له : كيف تجدك فقال : لقيت الموت بعدك - يريد شدّة المرض - فقال : إنّما الناس رجلان : مستريح بالموت ومستراح به منه ، فجدّد الإيمان باللهّ وبالنبوّة وبالولاية تكن مستريحا ففعل الرجل ذلك . وقيل للجواد عليه السّلام : ما بال هؤلاء المسلمين يكرهون الموت قال : لأنّهم جهلوه فكرهوه ولو عرفوه - وكانوا من أولياء اللّه حقّا - لأحبوّه ولعلموا ان الآخرة خير لهم من الدنيا . ثم قال عليه السّلام : ما بال الصبي أو المجنون يمتنع من الدواء المنقّي لبدنه والنافي الألم عنه . فقالوا ، لجهلهم بنفع الدواء . فقال : والذي بعث محمدا بالحق إنّ من قد استعدّ للموت حق الاستعداد هو أنفع له من هذا الدواء لهذا المتعالج ، أما لو عرفوا ما يؤدّي إليه الموت من النعيم لاستدعوه أشدّ مما يستدعي العاقل الحازم الدواء لرفع الآفات واجتلاب السلامات . ودخل الهادي عليه السّلام على مريض من أصحابه وهو يبكي من الموت فقال له : تخاف من الموت لأنك لا تعرفه ، أرأيتك لو تقذّرت واتّسخت من كثرة الوسخ والقذر عليك وأصابك قروح وجرب وعلمت أن الغسل في الحمام يزيل ذلك عنك أما تريد أن تدخله فتزيل ذلك كلهّ عنه قال : بلى . قال : فذلك الموت هو ذلك الحمام وهو آخر ما بقي عليك من تمحيص ذنوبك ، فإذا أنت وردت عليه