فوقفت حتى ضجّ من لغب * نضوي ولجّ بعذلي الركب
وتلفّتت عيني فمذ خفيت * عنّي الطلول تلفّت القلب
وليس يقصد بالتلفت ها هنا التفاؤل بالرجوع إليها ، لأن رسومها قد صارت نهبا ليد البلى فأيّ فائدة في الرجوع إليها ، وإنّما يريد ما قدّمنا ذكره من الحنين والتذكّر لمّا مضى من أيامه فيها ، وكذلك قول الأول :
تلفّتّ نحو الحيّ حتى وجدتني * وجعت من الإصغاء ليتا وأخدعا ( 1 )
قلت : بل الظاهر أنّ إنشاد الخالع من ذاك الباب ، بشهادة بيته الأول بعدم ميله إلى الرجوع وكون البيت الثاني بلفظ الالتفات لا التلفّت .
قال : وقال بعضهم في المذهب الأول :
تلفّت أرجو رجعة بعد نيّة * فكان التفاتي زائدا في بلائيا
ء أرجو رجوعا بعد ما حال بيننا * وبينكم حزن الفلا والفيافيا
وقال آخر ، وقد طلّق امرأته فتلفّتت إليه :
تلفّت ترجو رجعة بعد فرقة * وهيهات ممّا ترتجي امّ مازن
ألم تعلمي أنّي جموح عنانه * إذا كان من أهواه غير ملاين
ومن مذاهبهم أنهّ إذا بثرت شفة الصبي حمل منخلا على رأسه ونادى بين بيوت الحيّ : « ألحلا ألحلا ، ألطّعام الطّعام » فتلقي له النساء كسر الخبز وأقطاع التمر واللحم في المنخل ثم يلقى ذلك للكلاب فتأكله فيبرأ من المرض ، فإن أكل صبيّ من الصبيان من ذلك الذي ألقاه للكلاب تمرة أو لقمة أو لحمة بثرت شفته . وأنشد لامرأة :
ألّا حلا في شفة مشقوقه * فقد قضى منخلنا حقوقه
ومن مذاهبهم أنّ الرجل منهم كان إذا طرفت عينه بثوب آخر مسح
هامش
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 19 : 403 - 407 .