فإذا عرفتم هذا من وزير من وزرائكم فاعزلوه فإنهّ يدخل الوهن والنقص على الملك والرعية لصلاح حال نفسه ولا تقوم نفسه بهذه النفوس كلّها .
واعلموا أنّ بدء ذهاب الدولة ينشأ من قبل إهمال الرعيّة بغير أشغال معروفة ولا أعمال معلومة ، فإذا نشأ الفراغ تولّد منه النظر في الأمور والفكر في الفروع والأصول ، فإذا نظروا في ذلك نظروا فيه بطباع مختلفة فتختلف بهم المذاهب ويتولد من اختلاف مذاهبهم تعاديهم وتضاغنهم ، وهم مع اختلافهم هذا متفقون ومجتمعون على بغض الملوك ، فكل صنف منهم إنّما يجري إلى فجيعة الملك بملكه ، ولكنّهم لا يجدون سلّما إلى ذلك أوثق من الدّين والناموس ، ثم يتولّد من تعاديهم أنّ الملك لا يستطيع أن يجمعهم على هوى واحد ، فان انفرد باختصاص بعضهم صار عدوّ بقيتهم ، وفي طباع العامة استثقال الولاة وملالهم والنفاسة عليهم والحسد لهم ، وفي الرعية المحروم والمضروب والمقام عليه الحدود ، ويتولّد من كثرتهم مع عداوتهم أن يجبن الملك عن الإقدام عليهم ، فإنّ في إقدام الملك على الرعية كلّها كافة تغريرا بملكه ، ويتولّد من جبن الملوك عن الرعية استعجالهم وهم أقوى عدو له وأخلقه بالنظر لأنهّ حاضر مع الملك في دار ملكه ، فمن أفضى إليه الملك بعدي فلا يكوننّ بإصلاح جسده أشدّ اهتماما منه بهذه الحال ، ولا يكوننّ لشيء من الأشياء أكره وأمكر لرأس صار ذنبا وذنب صار رأسا ، ويد مشغولة صارت فارغة أو غنيّ صار فقيرا ، أو عامل مصروف أو أمير معزول .
واعلموا أنّ سياسة الملك وحراسته ألّا يكون ابن الكاتب إلّا كاتبا وابن الجنديّ إلّا جنديّا وابن التاجر إلّا تاجرا وهكذا في جميع الطبقات ، فإنهّ يتولّد من تنقل الناس عن حالاتهم أن يلتمس كلّ امرى ء منهم فوق مرتبته ، فإذا انتقل أوشك أن يرى شخصا أرفع ممّا انتقل إليه فيحسده أو ينافسه وفي ذلك من
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 652
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٦٥٢