وصيته : رشاد الوالي خير للرعية من خصب الزمان ، الملك والدين توأمان لا قوام لأحدهما إلّا بصاحبه ، فالدّين أسّ الملك وعماده ، ثم صار الملك حارس الدّين ولا بدّ للملك من أسهّ ولا بدّ للدّين من حارسه ، فأمّا ما لا حارس له فضائع وما لا أسّ له فمهدوم . إنّ رأس ما أخاف عليكم مبادرة السفلة إيّاكم إلى دراسة الدين وتأويله والتفقهّ فيه ، فتحملكم الثقة بقوة الملك على التهاون بهم ، فتحدث في الدّين رياسات منتشرات سرا فيمن قد وترتم وجفوتم ، وحرمتم ، وأخفتم ، وصغّرتم من سفلة الناس والرعية وحشو العامة ، ثم لا تنشب تلك الرئاسات أن تحدث خرقا في الملك ووهنا في الدولة .
واعلموا أنّ سلطانكم على أجساد الرعية لا على قلوبها ، وإن غلبتم الناس على ما في أيديهم فلا تغلبوهم على ما في قلوبهم وآرائهم ومكايدهم .
واعلموا أنّ العاقل المحروم سالّ عليكم لسانه وهو أقطع سيفيه ، وإنّ أشدّ ما يضرّ بكم من لسانه على ما صرف الحيلة فيه إلى الدّين ، فكان للدنيا يحتج وللدين فيما يظهر يتعصب ، فيكون للدين بكاؤه وإليه دعاؤه ، ثم هو أوحد للتابعين والمصدّقين والمناصحين والمؤازرين ، لأنّ تعصّب الناس موكّل بالملوك ، ورحمتهم ومحبّتهم موكّلة بالضعفاء المغلوبين ، فاحذروا هذا المعنى كلّ الحذر .
واعلموا انهّ ليس ينبغي للملك أن يعرّف للعبّاد والنّسّاك بأن يكونوا أولى بالدين منه ولا أحدب عليه ولا أغضب له ، ولا ينبغي أن يخلي النسّاك والعبّاد من الأمر والنهي في نسكهم ودينهم ، فإنّ خروج النسّاك وغيرهم من الأمر والنهي عيب على الملوك وعلى المملكة وثلمة بيّنة الضرر على الملك وعلى من بعده .
واعلموا أنهّ قد مضى قبلنا من أسلافنا ملوك كان الملك يتعهد الحماية
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 650
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٦٥٠