تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 651

مساهمون:

ص٦٥١
بالتفتيش والجماعة بالتفضيل والفراغ بالاشتغال كتعهدّه جسده بقصّ فضول الشعر والظفر وغسل الدرن والغمص ومداواة ما ظهر من الأدواء وما بطن ، وقد كان من أولئك الملوك من صحة ملكه أحبّ إليه من صحّة جسده ، فتتابعت تلك الأملاك بذلك كأنهم ملك واحد ، وكأن أرواحهم روح واحدة يمكّن أوّلهم لآخرهم ويصدّق آخرهم أوّلهم ، يجتمع أنباء أسلافهم ومواريث آرائهم وثمرات عقولهم عند الباقي منهم بعدهم ، وكأنهم جلوس معه يحدثّونه ويشاورونه ، حتى كان على رأس دارا بن دارا ما كان من غلبة الإسكندر الرومي عليه وكان إفساده أمرنا وتفرقته جماعتنا وتخريبه عمران مملكتنا أبلغ له فيما أراد من سفك دمائنا ، فلمّا أذن اللّه تعالى في إعادة أمرنا كان من بعثه إيانا ما كان ، وبالاعتبار يتّقى العثار ، والتجارب الماضية دستور يرجع إليه في الحوادث الآتية . واعلموا أنّ طباع الملوك على غير طباع الرعية والسوقة ، فإن الملك يطيف به العزّ والأمن والسرور والقدرة على ما يريد ، والأنفة والجرأة والعبث والبطر ، وكلّما ازداد في العمر تنفسا وفي الملك سلامة ازداد من هذه الطبائع حتى يسلمه ذلك إلى سكر السلطان الذي هو أشد من سكر الشراب ، فينسى النكبات والعثرات والغير والدوائر وفحش تسلّط الأيام ولؤم غلبة الدهر ، فيرسل يده بالفعل ولسانه بالقول ، وعند حسن الظن بالأيّام تحدث الغير وتزول النعم ، وقد كان من أسلافنا وقدماء ملوكنا من يذكرّه عزهّ الذل وأمنه الخوف وسروره الكآبة وقدرته المعجزة ، وذلك هو الرجل الكامل قد جمع بهجة الملوك وفكرة السوقة ولا كمال إلّا في جمعهما . واعلموا أنّ كثيرا من وزراء الملوك من يحاول استبقاء دولته وأيامه بإيقاع الاضطراب والخبط في أطراف مملكته ليحتاج الملك إلى رأيه وتدبيره ،