تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 592

مساهمون:

ص٥٩٢
وأمرت ألا يدخل عليك إلّا فلان وفلان - نفر سمّيتهم - ولم تأمر بإيصال المظلوم ولا الملهوف ولا الجائع العاري ولا الضعيف الفقير ولا أحد إلّا وله في هذا المال حق ، فلمّا رآك هؤلاء النفر الذين استخلصتهم لنفسك تجبي الأموال وتجمعها ولا تقسمها قالوا : هذا خان اللّه فما بالنا لا نخونه وقد سجن لنا نفسه ، فائتمروا أن لا يصل إليك من علم أخبار الناس إلّا شيء أرادوا ، ولا يخرج لك عامل فيخالف أمرهم إلّا قصوّه عندك حتى يصغر قدره ، فلمّا انتشر ذلك عنك وعنهم أعظمهم الناس وهابوهم ، وكان أوّل من صانعهم عمّالك بالهدايا والأموال ليقووا بها على ظلم رعيتك ، ثم فعل ذلك ذوو القدرة والثروة من رعيتك لينالوا به ظلم من دونهم ، فامتلأت بلاد اللّه بالطمع بغيا وفسادا وصار هؤلاء القوم شركاؤك في سلطانك وأنت غافل ، فإن جاء متظلّم حيل بينه وبين دخول مدينتك ، فإن أراد رفع قصة عند ظهورك وجدك قد نهيت عن ذلك وأوقفت للناس رجلا ينظر في مظالمهم ، فإن جاء ذلك الرجل فبلغ بطانتك خبره سألوا صاحب المظالم ألّا يرفع مظلمته إليك لأن المتظلّم منه له بهم حرمة فأجابهم خوفا منهم ، فلا يزال المظلوم يختلف إليه ويلوذ به ويشكو إليه ويعتلّ عليه ، فإذا أجهد وظهرت ، صرخ بين يديك فضرب ضربا مبرحا ليكون نكالا لغيره وأنت تنظر ، فما بقاء الإسلام على هذا ، وقد كنت أسافر إلى الصين فقدمتها مرّة وقد أصيب ملكها بسمعه فبكى بكاء شديدا فحثهّ جلساؤه على الصبر فقال : أما إنّي لست أبكي للبليّة النازلة بي ، ولكنّي أبكي لمظلوم بالباب يصرخ ولا أسمع صوته . ثم قال : أما إن ذهب سمعي فإنّ بصري لم يذهب نادوا في النّاس ألّا يلبس ثوبا أحمر إلّا متظلّم . ثم كان يركب الفيل طرفي النهار ينظر هل يرى مظلوما . إلى أن قال : قال المنصور فكيف أحتال لنفسي قال : إن للناس أعلاما
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 592 | الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )