وعن عمرو بن العاص : إذا أنا أفشيت سرّي إلى صديق فاذاعه فهو في حلّ . قيل له : وكيف قال : لأنّي كنت أحقّ بصيانته .
هذا ، وأما قول جميل بثينة :
أموت وألقى اللّه يا بثن لم أبح * بسرّك والمستخبرون كثير
فإنهّ وإن قال لفظا إنه لا يبوح بسرّها إلّا أن شعره هذا كان نشرا لسرّها لأهل عصرها جميعا ولكلّ عصر بعده ، فهو أنشر للسر من أعرابي قال :
ولا أكتم الأسرار لكن أنمّها * ولا أدع الأسرار تغلي على قلبي
وإنّ قليل العقل من بات ليله * تقلبّه الأسرار جنبا إلى جنب
« ورب ساع فيما يضره » وقالوا : « رب طائر بجناحه إلى موضع اجتياحه » .
في ( أذكياء ابن الجوزي ) : خرج ابن أبي الطيّب القلانسي الكاتب النصراني في سنة نيّف وأربعين وثلاثمئة من جنديسابور إلى بعض شأنه في الرستاق ، فأخذه الأكراد وعذبّوه وطالبوه أن يشتري نفسه منهم ، فلم يفعل وكتب إلى أهله : أنفذوا إلي أربعة دراهم أفيون واعلموا أنّي أشربها فتلحقني سكتة فلا يشك الأكراد أنّي متّ ، فيحملوني إليكم فإذا حصلت عندكم فأدخلوني الحمّام واضربوني ليحمى بدني وسوّكوني بالأرياح ، وكان سمع أن من شرب أفيونا أسكت فإذا أدخل الحمام وضرب وسوك بالارياج برأ ولم يعلم مقدار الشرب فشرب أربعة دراهم فلم يشك الأكراد في موته فلفوه في شيء وأنفذوه إلى أهله فلما حصل عندهم أدخلوه الحمّام وضربوه وسوكّوه فما تحرّك ، وأقيم في الحمّام أياما ورآه أهل الطب فقالوا : قد تلف كم شرب قالوا : أربعة دراهم . قالوا : لو شوي هذا في جهنم ما عاش ، إنّما يجوز هذا عن شرب أربعة دوانيق أو حوالي درهم ، فلم يفعل أهله وتركوه في الحمام حتى