جعل الزمان كالقوت له ، ومن اقتات الشيء أكله ، والأكل سبب المرض والمرض سبب الهلاك ( 1 ) . قلت : أما قوله « جعل بإزاء كلّ واحدة مما له اثنتين مما لولده » فليس بجيّد ، لأنهّ لم يجعل وصفا إزاء وصف ومقابلا له ، بل الكلّ من واد واحد للتنبيه على نقص الدنيا حتى لا يغترّ بها ، وإنّما ضاعف عليه السّلام أوصاف ولده لأن الشابّ آماله أكثر . كما أن ما نقله من أبيات الشاعرين ليست في معنى كلامه عليه السّلام ، فإنّ الشاعرين في مقام مدح الشباب وذم الشيب ، وهو عليه السّلام بصدد ذمّ أصل الدنيا شبابها وشيبها وأصلها وفرعها . كما أن ما فسّر به المصراع الأخير بادر ، وإنّما المراد أنّ لقمان أكل سنته وشهره وكانا قوته ومادة حياته ، فبقي بعد أكله لهما بلا قوت فهلك . « أمّا بعد فإنّ فيما تبيّنت من أدبار الدنيا عنّي وجموح » من جمح الفرس براكبه : إذا صار بحيث لا يملكه . « الدهر عليّ وإقبال الآخرة إليّ ما » من الغريب أن محشّي ( المصرية ) كتب « ما » خبر ( 2 ) « إن » مع أنهّ واضح كونها اسمها ، كما أنّ قوله وروي فإنّني فيما تبيّنت ، وعليه فما مفعول « تبيّنت » أيضا بلا معنى « يرغبني » هكذا في
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 326
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٣٢٦
لا يبعدنّ عصر الشباب ولا * لذاّته ونباته النضر
إلى أن قال :
أو لم تري لقمان أهلكه * ما اقتات من سنة ومن شهر
هامش
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 16 : 54 - 56 .
( 2 ) نهج البلاغة 3 : 43 ، الهامش رقم 3 .