احتسب عنائي ما أرى عليّ من الأجر شيئا . فقال : مه ، لقد عظّم اللّه أجركم في مسيركم وأنتم سائرون ، وفي منصرفكم وأنتم منصرفون ، ولم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين ولا إليها مضطرين . فقال : وكيف والقضاء والقدر ساقانا فقال : ويحك لعلّك ظننت قضاء لازما وقدرا حتما ، لو كان ذلك كذلك لبطل الثواب والعقاب ، والوعد والوعيد ، والأمر والنهي ، ولم تك لائمة من اللّه لمذنب ، ولا محمدة لمحسن ، ولم يكن المحسن أولى بالمدح من المسئ ، ولا المسئ أولى بالذم من المحسن ، تلك مقالة عبّاد الأوثان ، وجنود الشيطان ، وشهود الزور ، وأهل العمى عن الصواب ، وهم قدرية هذه الأمة ومجوسها ، إن اللّه سبحانه أمر تخييرا ونهى تحذيرا ، وكلّف يسيرا ، ولم يعص مغلوبا ولم يطع مكرها ، ولم يرسل الرسل إلى خلقه عبثا ولم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلا ، ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ . فقال الشيخ : فما القضاء والقدر اللذان ما سرنا إلّا بهما فقال : هو الأمر من اللّه والحكم ، ثم تلا قوله سبحانهوَ قَضى رَبُّكَ أَلّا تَعْبُدُوا إِلّا إيِاّهُ ( 1 ) . قلت : ورواه الزمخشري في ( فائقه ) مثله ( 2 ) . قلت : شتان بينه عليه السّلام وبين فاروقهم . روى الخطيب عن ابن مسعود قال : خطب عمر الناس بالجابية فقال في خطبته : ان اللّه يضلّ من يشاء ويهدي من يشاء . فقال قس من القسوس : ما يقول أميركم هذا . قالوا : يقول : إنّ اللّه يضلّ من يشاء ويهدي من يشاء . فقال القس : برقست . اللّه أعدل من أن يضلّ أحدا فبلغ عمر ذلك فبعث اليه : بل اللّه أضلّلك ولولا عهدك لضربت عنقك ( 3 ) .
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 279
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٢٧٩
هامش
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 18 : 227 - 228 والآية : 23 من سورة الإسراء .
( 2 ) أورد الزمخشري أجوبة الإمام علي عليه السّلام على بعض الأسئلة المحيرة راجع 1 : 71 و 2 : 335 من الفائق ، دار المعرفة ، تحقيق محمد أبي الفضل .
( 3 ) أورد أبو عبيد عن علي بن رباح عن أبيه : أن عمر بن الخطاب خطب الناس بالجابية ، فقال : من أراد أن يسأل عن القرآن فليأت أبيّ بن . كعب ، ومن أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت ، ومن أراد أن يسأل عن الفقه فليأت معاذ بن جبل ، ومن أراد أن يسأل عن المال فليأتني . ( كتاب الأموال لأبي عبيد : 99 ح 548 ) .