تتوجه لمعاوية حتى مضى على ذلك سنين ، فلما كان في بعضها قال البطريق للصوري - وقد أراد الرجوع - قد اشتهيت أن تمن علي بابتياع بساط سوسنجردي بمخاده ووسائده لي يكون فيه من أنواع الألوان من الحمرة والزرقة وغيرهما ، ويكون من صفته كذا وكذا ولو بلغ ثمنه كل مبلغ . فأنعم له بذلك - وكان من شأن الصوري إذا ورد إلى القسطنطينية أن يكون مركبه بالقرب من موضع ذلك البطريق ، وللبطريق ضيعة سرية وفيها قصر مشيد ومتنزه حسن على أميال من البلد راكبة على الخليج ، وكان البطريق أكثر أوقاته في ذلك المتنزه ، وكانت الضيعة مما يلي فم الخليج مما يلي بحر الروم والقسطنطينية .
فانصرف الصوري إلى معاوية سرا وأخبره بالحال ، فأحضر معاوية بساطا بوسائد ومخاد ومجلس ، فانصرف به الصوري مع جميع ما طلب منه من الشام - وقد تقدم إليه معاوية بالحيلة وكيفية ايقاعها - وكان الصوري فيما وصفنا من هذه المدة قد صار كأحدهم في المؤانسة والعشرة - وفي الروم طمع وشره ، فلما دخل من البحر إلى خليج القسطنطينية وقد طابت له الريح وقد قرب من ضيعة البطريق أخذ الصوري خبر البطريق من أصحاب المراكب والقوارب ، فأخبر أن البطريق في ضيعته ، وذلك أن الخليج نحو من ثلاثمائة وخمسين ميلا ، والمراكب لا تحصى في هذا الخليج كثرة ، فلما علم الصوري أن البطريق في ضيعته فرش ذلك البساط ، ونضد ذلك الصدر والمجلس بالوسائد والمخاد في صحن المركب ومجلسه ، والرجال تحت المجلس بأيديهم المجاذف مشكّلة ، ولا يعلم بهم أنهم في بطن المركب الا من ظهر منهم في المركب عمله ، والريح في القلع ، والمركب مار في الخليج كأنه سهم خرج من كبد قوس لا يستطيع القائم على الشط أن يملأ بصره منه
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 566
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٥٦٦