فلما قرأ هذا الكتاب في الكتب قال : نعى إلي نفسي ( 1 ) . وفيه : لما ثقل معاوية وحدّث الناس أنه الموت ، قال لأهله : احشوا عيني اثمدا وأوسعوا رأسي دهنا ، ففعلوا وبرقوا وجهه بالدهن ، ثم مهّد له ، فجلس وقال أسندوني ، ثم قال ائذنوا للناس ولا يجلس أحد ، فجعل الرجل يدخل ، فيسلم قائما ، فيراه مكتحلا مدهنا ، فيقول تقول الناس هو لما به وهو أصحّ الناس ، فلما خرجوا من عنده قال معاوية :
وتجلّدي للشامتين أريهم * أني لريب الدهر لا اتضعضع
وإذا المنية أنشبت أظفارها * ألفيت كل تميمة لا تنفع ( 2 )
وفي ( المروج ) : دخل معاوية الحمام في بدء علته الّتي كانت وفاته فيها ، فرأى نحول جسمه ، فبكى لفنائه :
أرى الليالي أسرعت في نقضي * أخذن بعضي وتركن بعضي
حنين طولي وحنين عرضي * أقعدنني من بعد طول نهضي
ولما أزف أمره وحان فراقه واشتدت علتّه وأيس من برئه أنشأ يقول :
فيا ليتني لم أغن في الملك ساعة * ولم أك في اللّذات أعشى النواظر
وكنت كذي طمرين عاش ببلغة * من الدهر حتى زار أهل المقابر ( 3 )
5
الخطبة ( 198 ) ومن كلام له عليه السّلام : وَاللَّهِ مَا مُعَاوِيَةُ بِأَدْهَى مِنِّي وَلكَنِهَُّ يَغْدِرُ وَيَفْجُرُ - وَلَوْ لَا كَرَاهِيَةُ الْغَدْرِ
هامش
( 1 ) تاريخ الطبري 4 : 248 ، سنة 60 .
( 2 ) تاريخ الطبري 4 : 240 ، سنة 60 .
( 3 ) مروج الذهب 3 : 49 .