تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 76

مساهمون:

ص٧٦

هذا وقال ابن أبي الحديد : إن قوله عليه السّلام « فأدلى بها إلى ابن الخطاب » من قوله تعالى : وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكّامِ ( 1 ) أي تدفعوها إليهم رشوة وأصله من أدليت الدلو في البئر أرسلتها . فإن قلت فإنّ أبا بكر إنّما دفعها إلى عمر حين مات ، ولا معنى للرشوة عند الموت قلت : لمّا كان عليه السّلام يرى أن العدول بها عنه إلى غيره إخراج لها إلى غير جهة الاستحقاق شبهّ ذلك بإدلاء الإنسان بماله إلى الحاكم . فإنهّ اخراج للمال على غير وجهه فكان ذلك من باب الاستعارة ( 2 ) . قلت : كلامه كلهّ خبط وخلط فإنّ الإدلاء إنّما هو بمعنى مطلق الدفع ، وإنّما صار المراد بتدلوا في الآية الرشوة بالقرينة ، وهي إضافة إلى الحكّام ، ومعلوم أنّ من يدفع ماله إلى الحكّام يدفعها رشوة ، وقبله : وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وبعده ، لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النّاسِ بِالْإِثْمِ ( 3 ) فهذه تجعل الكلام صريحا في إرادة الرشوة . كما أنّ مجرّد الإخراج إلى غير جهة الاستحقاق لا يصحّح الاستعارة كما لا يخفى ، وكيف يصحّ أن يقال : إنّ أبا بكر رشا عمر بالخلافة ، وإنما عمر رشا أبا بكر بالخلافة أي : بتمهيدها له بشرح مرّ ، ليردّ عليه بعده . ففي ( خلفاء ابن قتيبة ) - بعد ذكر احتجاج أمير المؤمنين عليه السّلام عليهم لمّا جاءوا به للبيعة - قال علي : « فأنصفونا إن كنتم مؤمنين وإلّا فبوءوا بالظلم وأنتم تعلمون » . فقال له عمر : إنّك لست متروكا حتّى تبايع . فقال له علي : « احلب حلبا لك شطره ، واشدد له اليوم يردده عليك غدا » ( 4 ) . وفي ( الخلفاء ) أيضا : لمّا كتب أبو بكر عهده قال لعمر : خذ هذا الكتاب ،

هامش
( 1 ) البقرة : 188 .
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 54 .
( 3 ) البقرة : 188 .
( 4 ) الإمامة والسياسة 1 : 11 .
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 76 | الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )