كنّا نرفيها فقد مزّقت * واتّسع الخرق على الراقع
كالثوب إذ أنهج فيه البلى * أعيا على ذي الحيلة الصانع
وكان كتب أيضا قبل ذلك إليه :
أرى بين الرماد وميض جمر * ويوشك أن يكون له ضرام
فإنّ النار بالعودين تذكى * وإنّ الحرب أولّه الكلام
أقول من التعجّب ليت شعري * أأيقاظ اميّة أم نيام
فأجابه : « الشاهد يرى ما لا يرى الغائب » فقال نصر لأصحابه : أعلمكم صاحبكم ألّا نصر عنده - إلى أن قال - .
وسار مروان حتّى نزل على الزاب الصغير وعقد عليه الجسر ، وأتاه عبد اللّه بن عليّ في عساكر أهل خراسان . فالتقيا فانهزم مروان ، وقتل وغرق من أصحابه خلق عظيم ، وغرق ثلاثمائة من بني اميّة ذاك اليوم غير باقي الناس ، ونزل عبد اللّه على باب حرّان . فهدم قصر مروان واحتوى على خزائن أمواله ، ونزل عبد الله على نهر أبي فطرس . فقتل من بني اميّة هناك بضعا وثمانين رجلا ورحل صالح بن عليّ في طلب مروان فلحقه بمصر فقتله .
وذكر المدائني أنّ مروان حين نزل على الزاب ، جرّد من رجاله من اختاره من سائر جيشه من أهل الشام والجزيرة وغيرهم مئة ألف فارس . فلمّا أشرف عبد الله بن عليّ في المسودة وفي أوائلهم البنود السود يحملها الرحال على الجمال البخت ، وقد جعلت أقتابها من خشب الصفصاف والغرب قال مروان لمن قرب منه : أما ترون رماحهم كأنّها النخل غلظا أما ترون إلى أعلامهم فوق هذه الإبل كأنّها قطع من الغمام سود فبينا هو كذلك إذ طار من أترجة هنالك قطعة من الغرابيب السود . فاجتمعت على أوّل رايات عبد اللّه بن عليّ واتّصل سوادها بسواد تلك الرايات والبنود ، ومروان ينظر . فتطيّر من ذلك .
فقال : أما ترون السواد قد اتّصل بالسواد وكان الغرابيب كالسحب