« فرأيت أنّ الصبر على هاتا » أي : هذه الأخيرة وهي الصبر على طخية عمياء يشيب فيها الصغير ، ويهرم فيها الكبير ، ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه . « أحجى » أي : أجدر وأخلق بالعقل والشرع من الأولى ، وهي الصولة بيد جذّاء لأنهّ القاء للنفس إلى التهلكة باليد ، وقد نهى الله تعالى عنه ولأنهّ يؤدّي إلى رجوع الناس إلى الكفر . فروى الكلبي وقد نقله ابن أبي الحديد : انهّ عليه السّلام لمّا أراد المسير إلى البصرة خطب فقال : انّ الله لما قبض نبيهّ صلّى اللّه عليه وآله استأثرت علينا قريش بالأمر ، ودفعتنا عن حق نحن أحقّ به من الناس كافّة ، فرأيت انّ الصبر على ذلك أفضل من تفريق كلمة المسلمين ، وسفك دمائهم ، والناس حديثو عهد بالإسلام ، والدين يمخض مخض الوطب يفسده أدنى وهن ، ويعكسه أقلّ خلق ( 1 ) . « فصبرت وفي العين قذى » والقذى : ما يقع في العين من الأذى . روى ( سنن أبي داود ) عن حذيفة قال : قلت للنبيّ صلّى اللّه عليه وآله : هل بعد هذا الخير شرّ . قال : فتنة وشر . قلت : هل بعد هذا الشرّ خير . قال : « يا حذيفة تعلّم كتاب الله واتّبع ما فيه » - ثلاث مرار - قلت : يا رسول اللّه هل بعد هذا الشرّ خير قال : هدنة على دخن ، وجماعة على أقذاء فيها أو فيهم . قلت : يا رسول اللّه الهدنة على الدخن ما هي قال : لا ترجع قلوب أقوام على الّذي كانت عليه - الخبر ( 2 ) . وبمضمون قوله « وفي العين قذى » قول الشاعر :
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 53
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٥٣
يكلّفني إغضاء عيني على القذى * زمان غبيّ جائر الحكم جابره
وقال الهذلي في بنيه :
هامش
( 1 ) رواه ابن أبي الحديد في شرحه 1 : 102 ، شرح الخطبة 22 .
( 2 ) أخرجه أبو داود في سننه 4 : 96 ح 4246 .