الكلمة لا زيادة عليها ، وهي لفظة واحدة بلحن واحد ، وهيئة واحدة حتّى ضجرنا ، واشتدّ تعجبّنا ، ورأينا أنّ هذه الإشارة لو كانت تتضمّن هذه الأشياء لكانت أعجب من كلّ ما تقوله العمياء .
ومن عجيب ما شاهدناه من أمرها أنّ أباها كان يغلط في شيء يعتقده على خلاف ما هو به . فتخبر هي عنه على معتقد أبيها كأنّ نفسها نفسه ، ورأيناها تقول ما لم يعلم أبوها من خبيئة في الخبيئة الّتي اطّلع عليها أبوها ، فكانت تطّلع على ما قد علمه أبوها ، وعلى ما لا يعلمه أبوها ، وهذا أعجب ، وحكاياتها أكثر من أن تعدّ ، وعند كلّ أحد من حديثها ما ليس عند الآخر ، لأنّها كانت تقول من ذلك على الاتّصال لشخص شخص جوابا بحسب السؤال ، وما زلت أقول : إنّ من يأتي بعدنا لا يصدّق ما رأيناه منها . فقلت لي : أريد أن تفيدني العلّة في معرفة هذه . فقلت لك : العلّة الّتي تصلح في جواب لم في نسبة المحمول إلى الموضوع يكون الحدّ الأوسط في القياس ، وهذه فالعلّة الفاعلة الموجبة لذلك فيها هي نفسها بقوّتها وخاصتها . فما الّذي أقوله في هذا وهل لي أن أجعل ما ليس بعلّة علّة قال ابن أبي الحديد : واعلم أنّنا لا ننكر أن يكون في نوع البشر أشخاص يخبرون عن الغيوب ، ولكن كلّ ذلك مستند إلى الباري سبحانه بإقداره ، وتمكينه ، وتهيئة أسبابه . فإن كان المخبر عن الغيوب ممّن يدّعى النبوّة لم يجز أن يكون إلّا بإذن اللّه ، وأن يريد به استدلال المكلّفين على صدق مدّعي النبوّة لأنهّ لو كان كاذبا لكان تمكين اللّه تعالى ذلك إضلالا للمكلّفين ، وكذلك لا يجوز أن يمكّن اللّه سبحانه الكاذب في ادّعاء النبوّة من الإخبار عن الغيب بطريق السحر وتسخير الكواكب والطلسمات ، ولا بالزجر والقيافة ، ولا بغير ذلك من الطرق المذكورة ، لما فيه من استفساد البشر وإغوائهم ، وأمّا إذا لم يكن المخبر عن الغيوب مدّعيا للنبوّة ، نظر في حاله فإن كان من الصالحين ،
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 463
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٤٦٣