تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 462

مساهمون:

ص٤٦٢
لأرباب النفس الناطقة القوية الصافية الّتي تتّصل مادّتها الروحانية على ما تقوله الفلاسفة . وقد يقع الإخبار عن الغيوب بطريق المنامات الصادقة على ما رآه أكثر الناس ، وقد وردت الشريعة نصاّبه . قال : وقد يقع الإخبار عن الغيوب بأمر صناعي يشبه الطبيعي كما رأيناه عن أبي البيان وابنه ، وقد يقع الإخبار عن الغيوب بواسطة إعلام ذلك إنسانا آخر ، لنفسه بنفس ذلك المخبر اتحادا أو كالاتحاد ، وذلك كما يحكي أبو البركات بن ملكا الطبيب في كتاب المعتبر ، قال : والمرأة العمياء الّتي رأيناها ببغداد وتكررت مشاهدتنا لها مدّة مديدة قدرها ما يقارب ثلاثين سنة وهي على ذلك إلى الآن تعرض عليها الخبايا . فتدّل عليها بأنواعها وأشكالها ومقاديرها وأعدادها غريبها ومألوفها ، دقيقها وجليلها ، تجيب على أثر السؤال من غير توقف ولا استعانة بشيء من الأشياء إلّا أنّها كانت تلتمس أن يرى الّذي يسأل عنه أبوها أو تسمعه في بعض الأوقات دون بعض ، وعند قوم دون قوم . فيتصوّر في أمرها أنّ الّذي تقوله بإشارة من أبيها ، وكان الّذي تقوله يبلغ من الكثرة إلى ما يزيد على عشرين كلمة إذا قيل بصريح الكلام الّذي هو الطريق الأخضر وإنّما كان أبوها يقول إذا رأى ما يراه من أشياء كثيرة مختلفة الأنواع والأشكال في مدّة واحدة كلمة واحدة وأقصاه كلمتان ، وهي الّتي يكرّرها في كلّ قول ، ومع كلّ ما يسمع ويرى « سلها وسلها تخبرك » أو « قولي له » أو « قولي يا صغيرة » . قال أبو البركات : ولقد عاندته يوما وحاققته في أن لا يتكلّم وأريته عدّة أشياء . فقال : لفظة واحدة فقلت له : « الشرط أملك » فاغتاظ واحتدّ طيشه عن أن يملك نفسه . فباح بخبيئته . قال : ومثلك يظنّ أشرت إلى هذا كله بهذه اللفظة فاسمع الآن ثمّ التفت إليها وأخذ يشير بإصبعه إلى شيء وهو يقول تلك الكلمة وهي تقول : « هذا كذا وهذا كذا » على الاتّصال من غير توقف وهو يقول تلك