تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 82

مساهمون:

ص٨٢
صدره من حال أبي بكر وعمر ، إمّا مكاتبة أو مراسلة ، فيجعل ذلك عليه حجّة عند أهل الشّام ، ويضيفه إلى ما قررهّ في أنفسهم من ذنوبه ، فقد كان غمصه عندهم بأنهّ قتل عثمان أو مالأ على قتله وأنه قتل طلحة والزّبير ، وأسر عايشة وأراق دماء أهل البصرة ، وبقيت خصلة واحدة وهو أن يثبت عندهم أنهّ يتبرّأ من أبي بكر وعمر ، وينسبهما إلى الظّلم ومخالفة الرّسول صلّى اللّه عليه وآله في أمر الخلافة ، وأنّهما وثبا عليها غلبة وغصباه ، فكانت هذه الطّامة الكبرى ليست مقتصرة على فساد أهل الشّام عليه ، بل وأهل العراق الّذين هم جنده وبطانته وأنصاره ، لأنّهم كانوا يعتقدون إمامة الشّيخين ، إلّا القليل الشّاذ من خواص الشيعة . فلمّا كتب ذلك الكتاب مع أبي مسلم الخولاني قصد أن يغضب عليّا عليه السّلام ويحرجه ويحوجه إذا قرأ ذكر أبي بكر ، وأنهّ أفضل المسلمين إلى أن يرهن خطهّ في الجواب بكلمة تقتضي طعنا في أبي بكر . فكان الجواب مجمجما غير بيّن ، ليس فيه تصريح بالتّظليم لهما ولا التّصريح ببراءتهما ، وتارة يترحّم عليهما ، وتارة يقول : قد أخذا حقّى وقد تركته لهما . فأشار عمرو بن العاص : أن يكتب كتابا ثانيا مناسبا للكتاب الأوّل ، ليستفزّا فيه عليّا عليه السّلام ويستخفاّه ، ويحمله الغضب منه أن يكتب كلاما ، يتعلّقان به في تقبيح حاله ، وتهجين مذهبه ، وقال له عمرو : إنّ عليّا رجل نزق تياّه ، وما استطعمت منه الكلام بمثل تقريظ أبي بكر وعمر ، فاكتب . فكتب إليه كتابا أنفذه مع أبي أمامة الباهلي الصّحابي ، بعد أن عزم على بعثه مع أبي الدّرداء ، ونسخة الكتاب : « من عبد اللّه معاوية بن أبي سفيان إلى عليّ بن أبي طالب . أمّا بعد ، فإنّ اللّه تعالى جدهّ اصطفى محمّدا لرسالته ، واختصهّ بوحيه وتأدية شريعته . فأنقذ به من العماية ، وهدى به من الغواية ، ثمّ قبضه إليه رشيدا حميدا قد بلّغ الشّرع ، ومحق الشّرك ، وأخمد نار الإفك ، فأحسن اللّه جزاءه ، وضاعف عليه نعماءه وآلاءه .