كان عليه السّلام يعظ النّاس عموما وخصوصا ، ليلا ونهارا ، كتبا وشفاها ، قريبه وبعيده ، وليهّ وعدوهّ ، كما كانت الأنبياء عليهم السّلام كذلك ، قال تعالى حكاية عن نوح : قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهاراً ( 1 ) . وقد كان عليه السّلام كلّ ليلة بعد صلاة العشاء يقبل بوجهه على النّاس ويقول لهم : تجهّزوا رحمكم اللّه فقد نودي فيكم بالرّحيل ، وإنّ أمامكم عقبة كؤودا ، ومنازل مخوفة مهولة لا بدّ من الورود عليها ، والوقوف عندها ، واعلموا أنّ ملاحظ المنية نحوكم دانية ، وكأنّكم بمخالبها ، وقد نشبت فيكم ، وقد دهمتكم منها مظلعات الأمور ، ومفظعات المحذور ، فقطّعوا علائق الدّنيا ، واستظهروا بزاد التّقوى ( 2 ) . وكان عليه السّلام كلّ نهار يضع الدّرة على منكبه ، ويمشي إلى السوق ، ويقف على أهله صنفا صنفا ، وينادي : معاشر النّاس قدّموا الاستخارة ، وتبرّكوا بالسّهولة ، واقتربوا من المبتاعين ، وتزيّنوا بالحلم ، وتناهوا عن اليمين ، وجانبوا الكذب ، وتجافوا عن الظّلم ، وأنصفوا المظلومين ، ولا تقربوا الرّبا ، وأوفوا الكيل والميزان وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ( 3 ) . ثمّ ينشدهم :
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 484
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٤٨٤
تفنى اللذاذة ممّن نال صفوتها * من الحرام ويبقى الإثم والعار
تبقى عواقب سوء في مغبتها * لا خير في لذّة من بعدها النّار ( 4 )
ويقرأ لاولي الرياسة : تِلْكَ الدّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا
هامش
( 1 ) نوح : 5 .
( 2 ) الأمالي الصدوق : 402 ح 7 المجلس 75 ، بفرق يسير .
( 3 ) هود : 85 .
( 4 ) الأمالي الصدوق : 402 ح 6 المجلس 75 ، بفرق يسير .