فالوجه الثّاني ينبغي أن يكون النّاس المكلّفون قد استحالوا بعد الرّسول صلّى اللّه عليه وآله علماء في مثل حدّ الرّسول في العلم ، حتّى لا يحتاج أحد إلى أحد ، فيكونوا كلّهم قد استغنوا بأنفسهم وأصابوا الحقّ الّذي لا اختلاف فيه ، أفتقول هذا : إنّ النّاس استحالوا علماء حتّى صاروا في مثل حدّ الرّسول في العلم بالدّين ، حتّى لا يحتاج أحد إلى أحد ، مستغنين بأنفسهم عن غيرهم في إصابة الحقّ قال : لا أقول هذا ولكنّهم يحتاجون إلى غيرهم . قال : فبقي الوجه الثّالث ، وهو أنهّ لا بدّ لهم من عالم يقيمه الرّسول لهم لا يسهو ولا يغلط ولا يحيف ، معصوم من الذّنوب مبرّأ من الخطايا يحتاج النّاس إليه ولا يحتاج إلى أحد .
قال : فما الدّليل عليه قال هشام : ثمان دلالات : أربع في نعت نسبه ، وأربع في نعت نفسه ، فأمّا الأربع الّتي في نعت نسبه : فإنهّ يكون معروف الجنس ، معروف القبيلة ، معروف البيت ، وأن يكون من صاحب الملّة والدّعوة إليه إشارة ، فلم ير جنس من هذا الخلق أشهر من جنس العرب ، الّذين منهم صاحب الملّة والدّعوة ، الّذي ينادى باسمه في كل يوم خمس مرّات على الصّوامع : « أشهد ألّا إله إلّا اللّه وأنّ محمّدا رسول اللّه » فتصل دعوته إلى كلّ برّ وفاجر ، عالم وجاهل مقرّ ومنكر في شرق الأرض وغربها ، ولو جاز أن تكون الحجّة من اللّه على هذا الخلق في غير هذا الجنس لأتى على الطّالب المرتاد دهر من عصره لا يجده ، ولجاز أن يطلبه في أجناس من هذا الخلق من العجم وغيرهم ، ولكان من حيث أراد اللّه عزّ وجلّ أن يكون صلاح يكون فساد ، ولا يجوز هذا في حكمة اللّه تعالى وعدله ، أن يفرض على النّاس فريضة لا توجد ، فلمّا لم يجز ذلك لم يجز أن يكون إلّا في هذا الجنس لاتصّاله بصاحب الملّة والدّعوة ، فلم يجز أن يكون من هذا الجنس إلّا في هذه القبيلة ، لقرب نسبها من صاحب الملّة وهي قريش ، ولمّا لم يجز أن يكون من هذا الجنس إلّا في هذه القبيلة ، لم يجز أن يكون من
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 42
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٤٢