تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 392

مساهمون:

ص٣٩٢

على حدّها الأوّل » ما دام التّكليف باقيا ( 1 ) . قلت : ما قاله صواب ، إلّا أنهّ لا منافاة بين كلامه عليه السّلام والرواية عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، لأنّ مراد النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله بقوله : « لا هجرة بعد الفتح » انتفاء الموضوع بالنّسبة إلى مكّة ، لأنّ مكّة بعد فتحها صارت كالمدينة يعبد اللّه فيها جهرة ، فعدم الهجرة منها لا ينافي الهجرة من ساير بلاد الكفر فرضا ، وإنّما قال عليه السّلام ذلك مقدّمة لغرضه ، من كون الهجرة إلى الإمام كالهجرة إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، وإلّا ففي عصره عليه السّلام وإن كان الإسلام فتح الأرض شرقا وغربا ، إلّا أنهّ لمّا كان رجال قاموا على خلافه من يوم وفاة النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله إلى آخر عمره عليه السّلام ، صار الأمر مثل أوّل الإسلام . « ما كان للهّ في أهل الأرض حاجة » قال ابن أبي الحديد : أي ما دام التّكليف باقيا . قال : وقال الرّاوندي : ( ما ) هاهنا نافية ، أي : لم يكن للهّ في أهل الأرض من حاجة ، وهذا ليس بصحيح ، لأنهّ إدخال كلام منقطع بين كلامين يتّصل أحدهما بالآخر ( 2 ) . وقال ابن ميثم : غير بعيد أن تكون نافية مع اتّصال الكلام بما قبله ، ووجهه أنهّ لمّا رغّب النّاس في طلب الدّين والعبادة ، فكأنهّ أراد أن يرفع حكم الوهم ، بما عساه يحكم به عند تكرار طلب اللّه للدّين والعبادة من حاجته تعالى إليها من خلقه ، حيث كرّر طلبه منهم بتواتر الرّسل والأوامر الشرعية ، ويصير معنى الكلام : أنّ الهجرة باقية على حدّها الأوّل في صدقها على المسافرين لطلب الدّين ، فينبغي للنّاس أن يهاجروا في طلبه إلى أئمّة الحق ، وليس ذلك لأنّ للهّ تعالى إلى أهل الأرض ممّن أسرّ دينه أو أظهره حاجة ، فإنهّ

هامش
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 3 : 216 .
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 3 : 216 ، وشرح الراوندي 2 : 445 .