وروى محمّد بن عليّ بن بابويه في ( إكماله ) - الّذي صنفّه بإرشاد الحجّة عليه السّلام له في المنام بتأليف كتاب غيبة الأنبياء عليهم السّلام ، ردّا على القائلين بعدم الفايدة في وجود إمام غائب - نصوصا كثيرة فيه عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله والأئمّة وكثير منها من طرقهم ، ونقتصر منها على خبرين : أحدهما : ما رواه مسندا عن سدير الصّيرفي ، قال : كنت دخلت أنا والمفضّل بن عمر وأبو بصير وأبان بن تغلب على مولانا أبي عبد اللّه الصّادق عليه السّلام ، فرأيناه جالسا على التّراب ، وعليه مسح خيبري مطوق بلا جيب ، مقصر الكمّين ، وهو يبكي بكاء الوالدة الثّكلى ذات الكبد الحرّى ، قد نال الحزن من وجنتيه ، وشاع التغيّر في عارضيه ، واملأ الدّموع لحجريه وهو يقول : سيّدي غيبتك نفت رقادي ، وضيّقت عليه مهادي ، وابتزّت منّي راحة فؤادي . سيّدي غيبتك وصّلت مصابي بفجائع الأبد - إلى أن قال - فاستطارت قلوبنا ولها ، وتصدّعت قلوبنا جزعا ، فقلنا : لا أبكى اللّه يا بن خير الورى عينيك . فزفر زفرة ، وقال : ويلكم نظرت في كتاب الجفر صبيحة هذا اليوم ، وهو الكتاب المشتمل على علم المنايا والبلايا ، وعلم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة الّذي خصّ اللّه به محمّدا صلّى اللّه عليه وآله والأئمّة من بعده ، وتأمّلت مولد قائمنا وغيبته ، وإبطاءه وطول عمره ، وبلوى المؤمنين في ذلك الزّمان ، وتولد الشّكوك في قلوبهم من طول غيبته ، وارتداد أكثرهم عن دينهم ، وخلعهم ربقة الإسلام من أعناقهم الّتي قال اللّه تعالى : وَكُلَّ إِنسانٍ ألَزْمَنْاهُ طائرِهَُ فِي عنُقُهِِ . . . ( 1 ) يعني الولاية ، فاستولت عليّ الأحزان . فقلنا : كرّمنا بإشراكك إيّانا في بعض ما أنت تعلمه من علم ذلك . قال : إنّ اللّه تعالى أدار للقائم منّا ثلاثة ، أدارها لثلاثة من الرّسل : قدّر مولده تقدير مولد موسى عليه السّلام ، وقدّر غيبته تقدير غيبة
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 371
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٣٧١
هامش
( 1 ) الاسراء : 13 .