وشممت منها رائحة المطر فتأهبت ( 1 ) . وروت الشّيعة الخبر بطريق آخر ، فروى الرّاوندي في ( خرائجه ) عن يحيى قال : دعاني المتوكّل ، فقال لي : اختر ثلاثمائة رجل ممّن تريد ، واخرجوا إلى الكوفة فخلّفوا أثقالكم فيها ، واخرجوا على طريق البادية إلى المدينة ، وأحضروا عليّ بن محمّد بن الرّضا إليّ معظّما مبجّلا ، ففعلت وخرجت ، وكان من أصحابي قائد من الشّراة ، وكاتب يتشيّع ، وأنا على مذهب الحشوية ، وكان ذلك الشّاري يناظر الكاتب ، وكنت أستريح إلى مناظرتهما لقطع الطّريق . فلمّا انتصف المسافة قال الشّاري للكاتب : أليس من قول صاحبكم - يعني عليّا عليه السّلام - : إنهّ ليس بقعة من الأرض إلّا وهي قبر أو ستكون قبرا . انظر إلى هذه البرّية ، أين من يموت في هذه البريّة العظيمة ، حتّى تمتلي قبورا وتضاحكنا ساعة من كلام الشّاري إذ انخذل الكاتب في أيدينا ، ثمّ سرنا حتّى دخلنا المدينة ، فقصدت باب أبي الحسن ، ودخلت عليه فقرأ كتاب المتوكّل وقال : انزلوا وليس من جهتي خلاف . فلمّا صرت إليه من الغد ، وكنّا في تموز أشدّ ما يكون من الحرّ ، فإذا بين يديه خيّاط ، وهو يقطع من ثياب غلاظ الخفاتين له ولغلمانه - إلى أن قال - فسرنا حتّى صرنا إلى موضع المناظرة في القبور ارتفعت سحابة وأرعدت وأبرقت ، حتّى إذا صارت على رؤوسنا ، أرسلت علينا بردا مثل الصّخور ، وقد شدّ أبو الحسن على نفسه ، وعلى غلمانه الخفاتين ، ولبسوا اللّبابيد والبرانس ، وقال لغلمانه : ادفعوا إلى يحيى لبّادة ، وإلى الكاتب برنسا ، وتجمعنا والبرد يأخذنا حتّى قتل من أصحابي ثمانين رجلا ، وزالت السّحابة ، ورجع الحرّ كما كان ، فقال : يا يحيى مر من بقي من أصحابك ليدفن من قد مات ، ثمّ قال : هكذا يملأ اللّه البريّة قبورا . قال : فرميت
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 355
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٣٥٥
هامش
( 1 ) مروج الذهب للمسعودي 4 : 84 .