تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 352

مساهمون:

ص٣٥٢

يحيى : فذهبت إلى المدينة ، فلمّا دخلتها ضجّ أهلها ضجيجا عظيما ما سمع النّاس بمثله خوفا على عليّ بن محمّد ، وقامت الدّنيا على ساق ، لأنهّ كان محسنا إليهم ملازما للمسجد ، ولم يكن عنده ميل إلى الدّنيا . قال يحيى : فجعلت اسكّنهم ، وأحلف لهم أنّي لم أومر فيه بمكروه ، وأنهّ لا بأس عليه . ثمّ فتّشت منزله ، فلم أجد فيه إلّا مصاحف وأدعية وكتب العلم ، فعظم في عيني ، وتوليت خدمته بنفسي ، وأحسنت عشرته . فلمّا قدمت به بغداد بدأت بإسحاق بن إبراهيم الطاهري - وكان واليا على بغداد - فقال لي : يا يحيى إنّ هذا الرّجل قد ولده رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وأنّ المتوكّل من تعلم ، وإن حرضته عليه قتله ، وكان النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله خصمك يوم القيامة . فقلت له : واللّه ما وقفت منه إلّا على كلّ أمر جميل . ثمّ صرت به إلى سرّ من رأى ، فبدأت بوصيف التّركي ، فقال : واللّه لئن سقطت منه شعرة لا يطالب به سواك . فعجبت كيف وافق قوله قول إسحاق فلمّا دخلت على المتوكّل سألني عنه ، فأخبرته بحسن سيرته وورعه وزهادته ، وأنّي فتّشت داره فلم أجد فيها غير المصاحف وكتب العلم ، وأنّ أهل المدينة خافوا عليه . فأكرمه المتوكّل ، وأنزله معه سرّ من رأى ، فاتّفق مرض المتوكّل بعد ذلك ، فنذر إن عوفي ليتصدّقنّ بدراهم كثيرة . فعوفي ، فسأل الفقهاء عن ذلك ، فلم يجد عندهم فرجا ، فبعث إليه فسأله فقال : يتصدّق بثلاثة وثمانين . فقال المتوكّل : من أين لك هذا فقال : من قوله تعالى : لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ . . . ( 1 ) والمواطن الكثيرة هي هذه الجملة ، وذلك لأنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله غزا سبعا وعشرين غزاة وبعث خمسا وخمسين سرية ، وآخر غزواته يوم حنين . فعجب المتوكّل والفقهاء من هذا الجواب ، وقال له : هذا الواجب ، وتصدّق أنت بما أحببت . - إلى أن قال - وقال يحيى : تذاكر الفقهاء

هامش
( 1 ) التوبة : 25 .