قال : فأشفق كلّ من حضر على عليّ ، وظنّ أن بادرة تبدر منه إليه . قال : واللّه لقد بكى المتوكّل بكاء طويلا حتّى بلّت دموعه لحيته ، وبكى من حضره ، ثمّ أمر برفع الشّراب ( 1 ) . وروى ( المروج ) أيضا ما نقله ( تذكرة سبط ابن الجوزي ) في بعث المتوكّل يحيى بن هرثمة لإشخاصه عليه السّلام وزاد بعد قوله : و « أحسنت عشرته » قال : فبينا أنا نائم يوما من الأيّام والسّماء صاحية والشمس طالعة ، إذ ركب وعليه ممطر ، وقد عقد ذنب دابته فعجبت من فعله ، فلم يكن بعد ذلك إلّا هنيهة حتّى جاءت سحابة ، فأرخت عزاليها ونالنا من المطر أمر عظيم جدّا ، فالتفت إليّ وقال : أنا أعلم أنك أنكرت ما رأيت ، وتوهمت أنّي علمت من الأمر ما لا تعلمه ، وليس ذلك كما ظننت ، ولكن نشأت بالبادية فأنا أعرف الرّياح الّتي يكون في عقبها المطر . فلمّا أصبحت هبّت ريح لا تخلف ،
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 354
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص٣٥٤
إنّي لقليل الرّواية للأشعار . فقال : لا بدّ أن تنشدني . فأنشده :
باتوا على قلل الأجبال تحرسهم * غلب الرّجال فما أغنتهم القلل
واستنزلوا بعد عزّ عن معاقلهم * فاودعوا حفرا يا بئس ما نزلوا
ناداهم صارخ من بعد ما قبروا * أين الأسرة والتّيجان والحلل
أين الوجوه الّتي كانت منعّمة * من دونها تضرب الأستار والكلل
فأفصح القبر عنهم حين ساء لهم * تلك الوجوه عليها الدود يقتتل
قد طالما أكلوا دهرا وما شربوا * فأصبحوا بعد طول الأكل قد اكلوا
وطالما عمروا دورا لتحصنهم * ففارقوا الدّور والأهلين وانتقلوا
وطالما كنزوا الأموال وادّخروا * فخلّفوها على الأعداء وارتحلوا
أضحت منازلهم قفرا معطّلة * وساكنوها إلى الأجداث قد رحلوا
هامش
( 1 ) مروج الذهب للمسعودي 4 : 11 .