شرط منصبه السلطنة والقيام بالأمر ، ولكنهّ خاف من اشتباه الأمر على العوامّ والجهّال ، فإنّهم لا يفرّقون في ذلك بين الحقّ والباطل ، ويتوهّمون أنّ كلّ من قام إمام ، وأنّ الاعتقاد بالثّلاثة جزء الدّيانة ، وأنّ غير المعتقد بهم خارج من الملّة ، كما عليه إخواننا من أهل السّنّة ، مع أنّ فاروقهم لمّا دعا النّاس إلى قيام صدّيقهم جعله مجرّد سلطنة ، وأهون من إمامة صلاة جماعة ، فقال له : رضيك النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله لديننا ، في ما ادعّاه من أنّ تقدمّه في الصّلاة كان بأمر النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، قال : فكيف لا نرضاك لدنيانا ولو كان إخواننا فرّقوا بين الأمرين لارتفع النّزاع من البين ، ولأدّى قيام الأوّلين إلى وصول الأمر إلى بني اميّة الشجرة الملعونة في القرآن . ونظير مرمى كلامه عليه السّلام من أنّ أسفه من تقدّم أولئك إنّما كان لضلالة جمع غير ذوي بصيرة ، ما عن ( تاريخ الثقفي ) : أنّ رجلا جاء إلى ابيّ بن كعب ، فقال : يا أبا المنذر ألا تخبرني عن عثمان ما قولك فيه فأمسك عنه . فقال الرجل : جزاكم اللّه شرّا يا أصحاب محمّد شهدتم الوحي وعاينتموه ، ثمّ نسألكم التفّقهّ في الدّين فلا تعلّمونا . فقال ابيّ : عند ذلك هلك أصحاب العقدة وربّ الكعبة ، أما واللّه ما عليهم آسى ولكن آسى على من أهلكوا ، أما واللّه لئن أبقاني اللّه إلى يوم الجمعة ، لأقومنّ مقاما أتكلّم فيه بما أعلم ، قتلت أو استحييت . فمات - رحمه اللّه - يوم الخميس ( 1 ) . وروى أبو نعيم في ( حليته ) مسندا عن قيس بن عباد قال : قدمت المدينة للقاء أصحاب محمّد صلّى اللّه عليه وآله ، فلم يكن فيهم أحد أحبّ إليّ لقاء من أبيّ بن كعب ، فقمت في الصّفّ الأوّل فخرج ، فلمّا صلّى حدّث ، فما رأيت الرّجال متحت أعناقها إلى شيء توجها إليه ، فسمعته يقول : هلك أهل العقدة وربّ الكعبة
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة — صفحة 14
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص١٤
هامش
( 1 ) نقله عنه الحلبي في تقريب المعارف عن فتن البحار : 316 .